مرّ الأمر عند قوى الانقلاب كأن شيئاً لم يكن. علماً انه "كل شيء" يا اخوان يا خلاّن.
للمرة الثانية في ايام معدودة حكى الرئيس سعد الحريري قصة الـ"س-س" ومآلها الذي كان يفترض ان يتجه الى خواتيمه من خلال مؤتمر مصالحة كبير يعقد في المملكة العربية السعودية.. لكن للمرة الثانية، يُلاحظ ان الماكينة الاعلامية والسياسية الجرّارة لقوى الممانعة أصيبت فجأة بالعطب، وطنّشت عن الموضوع مستبدلة إياه بالمطوّلات المعدة عن الاتهامات والاسقاطات والافتراءات والتخوينات، وإلباس الأخصام أثواباً فضفاضة من الارتباطات و"الالتزامات" الخارجية، وما الى ذلك من عدّة كيد هدفها الدائم والمستمر تبليط الأرض وشق الطرقات وفلشها وتزفيتها أمام محادل الكسر والفرض وإبقاء منطق النزاع في مقدم الحسبان.
ما كلّت الألسن في الفترة التي سبقت الانقلاب وتلته عن إلصاق كل افتراء ممكن بالرئيس الحريري وتحميله وزر النتيجة التي انتهى اليها الحراك السوري السعودي، بل اختراع فرضيات من لا شيء والبناء عليها في سياق محاولة رد التهمة عن "الفاعلين" الحقيقيين أولاً، وفي سياق تقديم تبرير سياسي(!) للانقلاب ثانياً، بل ووضع كل ذلك الحراك الفرضي في خزانة "الانتصارات" الجليلة والكبيرة المسجّلة في خانتهم!. والأمر هنا يشبه الفضيحة، بل قُلّ هو الفضيحة، ولو لم يُعلن الرئيس الحريري الأمور كما هي ويصارح الناس لكانت ماكينة التزوير فعلت فعلها.
راهنوا على أنه كعادته لن يبوح بكل شيء، وسيمتنع، كما يفعل رجال الدولة والأقدار والمسؤوليات الجسام، عن الكشف عن مدوّنات أساسية وكبيرة وحساسة تبعاً للأصول ومقتضيات المصلحة الوطنية العليا ومنعاً للتأويل المضرّ بالعموم عند الطرفين، لكنه فاجأهم مجدداً هذه المرة، عندما قضت تلك المصلحة الوطنية العليا قبل غيرها بأن يحكي فحكى.
وعندما فعل ذلك صمتوا..! وبدت ماكينة التزوير والتلفيق أعجز من أن تردّ على الوقائع التي لا يُجادل.. مؤتمر مصالحة يطوي صفحة ويفتح أخرى. يريح الجميع، وينزلهم عن منصاتهم الخاصة ليعيد رصفهم على منصة الوحدة الوطنية العزيزة إياها.. ويعيد اللبنانيين بالجملة الى مكان طبيعي، مثلهم مثل سائر خلق الله في هذه الدنيا، يعيشون حياتهم بالتي هي أسلس ويمارسون "هواياتهم" المألوفة بنتش الشعر السياسي والطائفي والمذهبي والمناطقي بالتي هي أسلم (إذا أمكن)، ثم يرتاحون (حتى إشعار آخر) من المجادلات الخطرة ودروس هندسة الخنادق الفكرية والفقهية (؟!) والتصورات المثلى لكيفية نفي الآخر وتهميش منطقه وحسابه وبيانه، ويرتاحون نسبياً من هَم انتظار وتوقع مأساة في أي لحظة وفي أي يوم، ويتطلعون بالتالي الى محاولة العودة الى النسق الاجتماعي الحياتي اليومي المألوف والموجود في كل نقطة من هذا العالم.. غير أن ذلك كله كما تبيّن، غير مدرج في أجندة مشروع الممانعة ولم يحن أوانه بعد!.
أي مشروع ذاك الذي يلبط فرصة استثنائية كهذه؟! وأي مشروع ذاك الذي يفترض ان التسوية خسارة له؟ وأي مشروع ذاك الذي يمنع حتى عن جمهوره آلية التنفس بهدوء وروية؟! وأي مشروع ذاك الذي لا يجد في لبنان واللبنانيين إلا حطباً للنيران؟ ولا يجد إلا تلك النيران وسيلة لتنفيذ أهدافه وطموحاته؟
أي مشروع ذاك، بل أي فضيحة هذه؟!.