تعيش المنطقة العربية حالة من الغليان الشعبي، فهذا الحراك الذي يسود في أكثر من ساحة عربية، من الممكن القول فيه أنه وضع بالقرب من فوهة البركان، فبعد <التغيير> في الحكم في كل من تونس ومصر دفع بالعديد من القوى السياسية المعارضة للحراك، فنزول الملايين إلى شوارع المدن المصرية وتصميمها على خلع الرئيس مبارك الحائز بجدارة على لقب <بطل العبور> وصاحب الضربة الجوية الأولى حيث كان قائداً للطيران في حرب 1973 التي سطّر فيها الجيشين المصري والسوري أهم وأكبر الملاحم العسكرية مع العدو الاسرائيلي• كل ذلك أظهر تداعيات (وخصوصاً الحدث المصري) أغلب الأقطار العربية ليست بعيدة عن آثارها.
فهذه الأحداث العنفية التي طالت اليوم ليبيا واليمن والبحرين والعراق اقتربت من الأردن، ومن الممكن أن نرى ذات المشهد في المستقبل القريب في بلاد أخرى.
فالنظام العربي الذي <شاخ وبات هرماً> عاجز عن مواكبة عصره، ولم يستطع أن يلبي تطلعات المواطنين السياسية والاجتماعية، ولذلك معالم التغيير بدأت وطليعتها عنصر الشباب الذي يستخدم وسائل العصر فيما النظام العربي ما زال بقاءه وصموده على مقومات عصر مضى، فالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والحريات السياسية وفي مقدمها حرية التعبير باتت من المقدسات لدى جيل واسع من الشباب العربي حصل على أعلى الشهادات العلمية، فالجامعات التي تدفع إلى سوق العمل الملايين من الشباب العربي اصطدم بإشكال كبير ألا وهو <البطالة> بسبب عجز هذه الأنظمة عن تحضير سوق عمل منتج لهذا الشباب، لفت انتباهي شاب يمني رفع يافطة تقول <نحن خريجو الجامعات ••• بلا عمل>.
والسؤال هو: هل لبنان لديه الحصانة ليكون بعيداً عن تداعيات الحدث الكبير الذي يُشكّل زلزالاً في الشارع العربي؟.
مصدر سياسي في قوى 14 آذار قريب من دائرة المفاوضات الجارية مع الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي رأى ان لبنان ليس محصناً، من ان تطاله تداعيات الحدث العربي، خاصة وأن البلد امامه استحقاقات كبيرة في المستقبل القريب، من تداعيات القرار الاتهامي للمحكمة الدولية، إلى القضية الاجتماعية المتفاقمة الى احتمال تعرضه لعدوان إسرائيلي في أي وقت فوزير دفاع العدو ايهود باراك خاطب جنوده علناً <عليكم ان تكونوا مستعدين في أي وقت فمن الممكن ان نعود مرة اخرى الى داخل الاراضي اللبنانية> وهذا يعني عدوان كبير يستهدف كل لبنان في اي وقت.
ورأى ذات المصدر ان هذه الاستحقاقات باتت ضاغطة على الرئيس المكلف ميقاتي، ولذلك فهو يتريث بإعلان تشكيلته الحكومية سعياً من اجل التوافق لتشكيل حكومة وفاق وطني تواجه جميع هذه التداعيات والاستحقاقات الكبيرة.
من جهة ثانية، وزير العمل بطرس حرب الذي يقوم بدور المفاوض نيابة عن قوى 14 آذار لا يعيش اجواء تشكيل حكومة في الايام القريبة، وقال: <ما زلنا في مرحلة التفاوض حول مهام الحكومة ولم ندخل مع الرئيس ميقاتي في تفاصيل المقاعد والوزارات والحصص، فما يعنينا في حالة مشاركتنا كقوى 14 آذار هل ستكون مشاركتنا فعلية ام سنكون شهود زور ومتفرجون؟ نحن لا نرضى إلا بمشاركة حقيقية وفقا لمهام الحكومة ما زلنا ننتظر منه جواباً حول التزامات الحكومة تجاه المحكمة الدولية وايضاً حول سلاح حزب الله، وان المفاوضات ما زالت جارية لم تنقطع، فهو ينتظر جواباً من 14 آذار على بعض القضايا التي طرحها ونحن ننتظر، واضاف حرب كنت جالساً معه عندما صدر قرار وزارة الخزانة الاميركية الخاص بالبنك اللبناني-الكندي واتهامه بتبييض اموال لصالح حزب الله، فكلانا أخذ الموضوع بجدية كبيرة، وان هذا القرار يشكل رسالة سياسية هامة للبنان في حال شكلت حكومة اطلق عليها حكومة حزب الله، ولذلك وجدت الرئيس ميقاتي حريصاً على تشكيل حكومة وحدة وطنية لمواجهة تحديات كثيرة تواجه لبنان والمنطقة.
وأعلن الوزير حرب ان الرئيس ميقاتي يواجه ضغوطاً كبيرة من حلفائه الجدد الذين رشحوه لرئاسة الحكومة، فهذه الضغوط تذهب باتجاهين:
الاول: تشكيل حكومة من لون واحد وإذا رغب الفريق الآخر بالمشاركة فمشاركته يجب ان تكون بشروطنا فنحن الأكثرية وليس بشروطهم.
الثاني: قضية المحاصصة بين افرقاء قوى 8 آذار شكلت عامل اعاقة وضاغط كبير على الرئيس ميقاتي.
فالرئيس ميقاتي أمامه عقبة كبيرة تتمثل بالحصص بين حلفائه وخاصة التمثيل المسيحي• ففي الوقت الذي يصر فيه ميشال عون على الإستئثار بالتمثيل المسيحي كاملاً داخل الحكومة ومنها الوزارات السيادية، يرفض رئيس الجمهورية ميشال سليمان أن تنزع منه حصته الوزارية التي حصل عليها في حكومة الوحدة الوطنية.
وتشير المصادر في حكومة الوحدة الوطنية ورغم مشاركة كافة القوى السياسية كانت حصة رئيس الجمهورية خمس وزارات منها الدفاع والداخلية، وفي حكومة من لون واحد حدد عون حصة الرئيس سليمان بوزير أو بوزيرين.
وكذلك مشكلة التمثيل المسيحي لا تقتصر على حصة رئيس الجمهورية، فالرئيس نبيه يطالب أن يكون له حصة من الوزراء المسيحيين ففي كتلته نواب مسيحييون، كذلك يطالب وليد جنبلاط.
لذلك عقبة التمثيل المسيحي أكبر بكثير من عقبة التمثيل السني، حيث الرئيس المكلف ما زال لغاية الآن لم يجد الشخصيات السنية (في حال عدم مشاركة قوى 14 آذار) الوازنة لتشارك في حكومته.
على العموم العقبات أمام تظهير الحكومة كثيرة تبدأ من عقدة عون ولا تنتهي.
بالتعقيدات التي تعيشها المنطقة العربية، كل ذلك جعل الرئيس المكلف يتريث في الإجابة على ورقة 14 آذار، وهذا ما يمكن أن يؤخر تظهير الحكومة الجديدة رغم ضغوط حلفائه الجدد بالإسراع بتشكيلها.