
أولا: في المنطقة حالياً اربعة مشاريع لا بل أربع قوى تتجاذب ساحات الصراع الاقليمي:
1 – المشروع الايراني الفارسي الذي يستخدم مجموعاته سواء في العراق او لبنان او اليمن او فلسطين (حماس) لتأمين توسعه وسيطرته على دول الشرق الاوسط وانظمتها وتصدير الثورة الاسلامية الشيعية الصفوية، ولا حلفاء لهذا المشروع على صعيد انظمة دول باستثناء لبنان والعراق الى حد ما، بعدما تراجع التأثير الايراني في العراق مع حكومة الكاظمي المتأرجح بين الاميركي والايراني.
2 – المشروع التركي ـ العثماني مع استمرار حكم حزب العدالة والتنمية، الهادف الى استعادة امجاد السلطنة العثمانية واعادة بسط السيطرة على مناطق شرق اوسطية شاسعة تستعيد الارث العثماني الامبراطوري، وادوات المشروع الاسلام السياسي وتحديدا الاخوان المسلمين وتوابعهم من احزاب وجمعيات اسلامية متغلغلة في مجتمعات العالم العربي ومنها المجتمع اللبناني، والذي يحاول في السنوات الاخيرة التوسع اكثر، مستغلا الانكفاء والتراجع السعودي الخليجي عن مواجهته على امتداد الساحات العربية ومنها لبنان الشمالي، حيث يحاول الاتراك ملئ فراغ سعودي خليجي في بيئة السنة المتأثرين تقليديا بالخليج.
3 – المشروع الاسرائيلي وهو الاكثر تقدما خصوصاً منذ اندلاع ثورات ما سمي بالربيع العربي التي ادت في نهاية المطاف الى اضعاف انظمة الدول العربية الاكثر عداء وخطرا تاريخيا عليها، وانهاكها داخلياً، ما ساهم وبدعم اميركي للوصول الى التطبيع فاتفاقيات السلام المتتالية. علما ان المشروع الاسرائيلي كان منذ البداية يحوز على الدعم الأميركي ـ الغربي الكبير سواء في التسلح وتكنولوجيته النووية ام في المجالات التنموية والتطويرية الاخرى كالجامعات والمرافق المتطورة وسواها.
4 – المشروع العربي المتصاعد والمتنامي عبر القنوات الثلاث التالية:
أ – الثورة المضادة للأنظمة التقليدية المستقرة التي تهددها الثورات العربية الاخوانية والاسلاموية، والتي ادت الى عودة بعض تلك الانظمة (تونس، سوريا، مصر) وصمود بعضها الاخر (المملكة السعودية، البحرين، الاردن). فمع انتهاء عهد الرئيس باراك اوباما كانت المنطقة في عز الفوضى الثورية، ومع الرئيس دونالد ترمب استعادت تلك الانظمة العربية المبادرة بدء من قمة الرياض الأميركية ـ الاسلامية ـ العربية الشهيرة في مستهل حكم ترمب، إذ أعاد الاخير تحالف واشنطن مع الحلفاء العرب المسلمين التقليديين وحاصر راعي المشروع الاسلاموي السياسي الاول ومصدر أكبر تهديد في المنطقة للأنظمة العربية ولإسرائيل عسكريا وعقائديا ونوويا، والمعني الجمهورية الاسلامية الإيرانية.
ب – الانتقال من حالة الدفاع الى حالة الهجوم إذا صح التعبير، إذ نجد دولة الامارات العربية المتحدة ومملكة البحرين واليوم السودان وغدا بقية انظمة الخليج والعالم العربي، يبادرون الى كسر المحرمات القومية والعقائدية التي سادت علاقات العالمين العربي والاسلامي مع اسرائيل زهاء 70 عاما، ويوقعون اتفاقيات تطبيع وسلام، ما قلب ويقلب رأسا على عقب كل الاوراق في المنطقة والعالم ويدشن افاق مستقبل جديد للمنطقة وحسابات جديدة وخرائط جديدة ترسم على وقع الخطوات المتسارعة نحو السلام.
فالأنظمة العربية والخليجية تحديدا والتي هالها ما جرى من محاولات لمحاصرتها واسقاطها اثناء حكم الاخوان وصعود الموجة الاخوانية الاسلاموية في المنطقة والتي كادت تطيحها، قررت كسر كل المحرمات في عودتها الى الامساك بزمام المصير والمبادرة وانهاء كافة الملفات الصادمة وفي طليعتها الملف العربي ـ الاسرائيلي، بعدما تحولت القضية الفلسطينية من قضية العرب الى قضية الفلسطينيين والاسرائيليين حصراً، (ما يمهد لإفراز قيادة فلسطينية جديدة)، وانتقل العداء من اسرائيل الى ايران، فانتزعت من ايران وتركيا ورقة المتاجرة بفلسطين والتي كانا يستخدمانها لتوطيد تأثيرهم في المنطقة وفرض انفسهم المحاورين الاساسيين مع الاميركي والغرب مقابل المكاسب والادوار، خصوصاً ان تركيا لطالما سعت لتفرض نفسها المحاور الوحيد بين اسرائيل والفلسطينيين مستغلة علاقاتها القوية بالطرفين.
ج – تقاسم محاور المواجهة بين الانظمة العربية المتحالفة: فالسعودية تتولى ملف المواجهة مع ايران للتمهيد لتحويلها من لاعب اقليمي الى ملعب اقليمي خصوصاً ان واشنطن مصممة على استعادة ايران من الصين وروسيا، فيما مصر تتولى ملف مواجهة المشروع التركي لتحويله من مشروع توسعي الى اقل من قوة اقليمية بعد انحسار دور انقرة في ليبيا مع المصالحة الليبية الاخيرة في جنيف برعاية الامم المتحدة والخطوط الحمر التي وضعها الرئيس عبدالفتاح السيسي بوجه الرئيس رجب طيب اردوغان في شرق حوض المتوسط بدعم اوروبي وخصوصاً فرنسي، والامارات تتولى المشروع الاسرائيلي واستجرار سائر الدول العربية الى التوقيع مع تل ابيب على التطبيع والسلام والتعاون.
فبعدما تمددت المشاريع الايرانية والتركية الاسرائيلية على حساب الوطن العربي طوال سنوات، مستهدفة المناطق (الرخوة) من الخاصرة العربية (لبنان واليمن وسوريا وليبيا)، وضعف تأثير ودور المجالس الاقليمية كمجلس الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي وسواها وبعدما تم دحر موجة الثورات الاسلاموية السياسية، استعادت الدول العربية الثلاث مصر والسعودية والامارات المبادرة بالتوحد وتشكيل قوة اقليمية جديدة تعيد تجميع القوى العربية المشتتة والانظمة المنهكة. ومن هنا، يجب توقع المزيد من التطبيع مع اسرائيل خصوصاً السلام بين سوريا الاسد واسرائيل قبل رحيل الأول. فموسكو تبذل حاليا جهودا كبيرة بدعم اميركي وعربي خليجي، لعودة سوريا الى الحظيرة العربية ولتوقيع السلام مع اسرائيل والامور في مسارها الهادئ والبعيد عن الاضواء.
ثانيا: بعدما تمكن المثلث العربي الصاعد من استعادة زمام المبادرة وفرض معادلته كقوة رابعة مؤثرة، وتمكنه اولا من انقاذ مصر من السقوط في يد الاخوان، والبحرين من السقوط في يد الإيرانيين، واليمن من السقوط في يد الحوثيين (المشروع الايراني في البحرين واليمن) آن اوان كل من العراق ولبنان، فالعراق في سلم اولويات السعودية وانظمة الخليج لإعادته الى الحضن العربي والاستقلال عن ايران بإرادة ابناء العراق انفسهم، والرياض استعدت لمواجهة الميليشيات الايرانية في العراق وتلك التي تحشد ضد دولة الكويت والعراق فيما لو لم يستطع العراقيون والكويتيون انفسهم التصدي للخطر الايراني.
اما لبنان، هو حاليا على الصفيح الساخن لتقلبات جذرية في المشهد الاقليمي والحسابات الدولية: ففي طهران كلام عن هدنة ما قبل التفاوض مع الاميركيين، وبغض النظر عن نتائج الانتخابات الاميركية، وعكس ما يظنه البعض من المحللين والمراقبين، إيران الثورة تعتمد البراغماتية في سياستها الخارجية (مثال ايران كونترا ايام الخميني وصفقة الاسلحة مع اسرائيل)، فطهران امام خيارات صعبة.
وفي حالة عودة ترمب الى البيت الابيض لن تنفع البراغماتية الايرانية ان قرر وضع ايران تحت الفصل السابع خصوصا ان الصين لا تريد استفزاز اميركا في المنطقة وان غازلت بيجين طهران ودول الخليج، فان تأثيرها يبقى ضئيلاً، وروسيا اخذت سوريا وباتت موسكو على مشارف اوروبا وفي المياه الدافئة ولا رغبة لها في مواجهة واشنطن.
لذا وعشية انسحاب واشنطن من المنطقة (الوجود الاميركي هو الاكبر) تريد واشنطن ضمان قوة حلفائها تلك القوة المرتكزة على: امن امدادات النفط، لا سباق نووياً، واسرائيل قوية. لذلك لبنان امام تحد اساسي متمثل بالخيار السريع والحاسم: إما البقاء في الحضن الايراني وبالتالي الزوال والتفتت والاهتراء وصولا للتخلي الاقليمي والدولي وحتى الايراني عنه في مرحلة لاحقة، وإما ركوب قطار التطبيع المار من محوري العراق ـ الأردن ـ اسرائيل والامارات ـ الاردن وإسرائيل. علما ان مشروع السلاح غير الشرعي الى زوال وافول (ما يفسر تمسك الثنائي الشيعي بضمانات في النظام السياسي) ومشروع المواطنة والحياد الى تحقيق ولو بعد حين.
لذلك نرى ان اعادة تشكيل حكومة بالمعايير التقليدية يؤخر ولا يسرع في حسم لبنان لخياره وفي استحقاق انقاذه، كما انه يعوم السلاح غير الشرعي والعهد المتهاوي والتي كانت بدأت علاقته بحزب الله بالتصدع، والمحاصران كليهما اقليميا ودوليا (عقوبات متصاعدة وضغوط لتنفيذ المبادرة الفرنسية).
بعد الانتخابات الأميركية، ستبيع إيران سلاح حلفائها، تماما كما باعت موسكو حلفائها من الاحزاب الشيوعية غداة سقوط حائط برلين وتوحد اوروبا.
