
لم يدم تفاؤل تشكيل الحكومة الذي طوى نهاية الاسبوع الماضي طويلاً، في وقت تتزاحم فيه الملفات الحياتية والخدماتية على ما عداها، مبشّرة بمستقبل سنترحم فيه على ما نحن عليه اليوم.
الوضع العام لم يوقظ الضمائر الميتة، ولم يبدل شيئاً من منطق المحاصصة وتقاسم ما تبقى من مغانم، بينما “التعتير” يسطر بفخر عنوان المرحلة المقبلة. فبعدما تفننت السلطة في سرقة ودائع الناس، ها هي اليوم تستكمل إبداعاتها بالانقضاض على ما تبقى من هذه الأموال، من احتياطي المصرف المركزي، إذ لا يوجد شيء في علم الاقتصاد اسمه المال العام، إنما هو بكل بساطة مال دافعي الضرائب، الذي يستولي عليه مجدداً اخطبوط النفوذ متذرعاً بالدعم، الذي لن يكون له اي أمل بالاستمرار، إن لم يقترن بالإصلاحات.
اللافت أن السلطة تتعاطى مع هذا الموضوع على قاعدة “بورصة السوق السوداء”، ساعة تريد رفع الدعم عن المواد الأساسية، وساعة لا تريد، لكنها في مطلق الحالات، لن تتمكن من الاستمرار بـ”تربيحنا جميلة من مالنا”، ما لم تدخل عملات أجنبية الى المركزي، تاركة السيناريوهات الأسوأ الى الأشهر المقبلة بعد أن تكون قضت على كل شيء ممكن، حتى انها لن تتردد، وبحكم ذهنيتها المهترأة، أن تمس بذهب اللبنانيين بعدما ابتلعت أموالهم.
وبعدما دخل قطاع الكهرباء في بازار “الدولارات وإما العتمة”، ينطلق قطاع الاتصالات مهرولاً وراءه في السيناريو ذاته، وسط مخاوف من توقف الاتصالات والإنترنت وارتفاع تعريفتها في مراحل مقبلة، في لوحة سوداوية جديدة من المؤكد حتى الساعة اننا سنعيشها.
يلفت نائب رئيس مجلس الوزراء السابق غسان حاصباني الى أن الاحتياطي الموجود بالعملات الاجنبية في مصرف لبنان يعاني من ضغط كبير، بفعل الأزمة الخانقة التي يعيشها لبنان، وما رافقها من انخفاض تدفق العملات الأجنبية من المغتربين من سبع مليارات الى مليارين ونصف المليار، إضافة الى الفرق الشاسع بين الاستيراد والتصدير وإخراج دولارات من البلاد أكثر بكثير مما يتم إدخالها.
ويشير في حديث لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، الى أن الدعم يمكن أن يستمر حتى الأشهر الأولى من العام 2021، الى أننا سنصل الى وقت يتوقف فيه لعدم قدرة لبنان عن دعم سعر صرف العملة للاستيراد، وإذ يشدد على أن موضوع الفيول واستيراده أساسي، يؤكد في المقابل أن سعر هذه المادة سيرتفع كثيراً، لدرجة أنه سيتم شراؤها من دولارات السوق، ما يعني ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة.
يربط حاصباني كل ما تقدم، بقطاعي الكهرباء والاتصالات، موضحاً أن التقنين في الكهرباء المتأتي عن ارتفاع سعر الفيول وعدم القدرة على تأمينه، سيحتم على وزارة الاتصالات التي أخذت على عاتقها الشركات المشغلة بنسبة مئة في المئة، تأمين الفيول لمولدات السنترالات ومحطات الاتصالات، وإذا لم تتمكن من ذلك، سنشهد انقطاعاً في الإنترنت والاتصالات وسوءاً مريعاً في الخدمة.
يضيف، “لبنان يستورد أيضاً قطع غيار الشبكات ويدفع سعرها بالدولار، فإذا لم تتوفر السيولة بالعملة الصعبة، سترتفع كلفتها كثيراً، وبالتالي يصبح مدخول الدولة أقل، مقارنة مع ارتفاع مصروفها، وبالتالي سيتدهور هذا القطاع ويصبح كقطاع الكهرباء، وقد بدأت الدولة اليوم بدعمه، إذ إن مداخيله بالليرة اللبنانية، ومصاريفه المرتفعة بالدولار، وبدل ان يدخل الأموال الى الخزينة، ها هي تتبخر بسببه”.
ويشير الى أنه كان لا بد من إصلاح هذا القطاع منذ العام 2002 عندما صدر القانون 431 الذي قضى بإنشاء LIBAN TELECOM بدل العقد التشغيلي مع “أوجيرو”، بحيث يكون هناك شركة قائمة مستقلة تملكها الدولة وتطرح اسهمها بسوق الاسهم، تكون قادرة على استقطاب شريك استراتيجي يدعم نشاطها ويحسن أداءها، وهذا ما لم يحصل.
ويلفت الى أن القانون 431 لحظ وجود هيئة ناظمة تشرف على المنافسة في القطاع، مذكراً بأن هذه الهيئة شكلت لكنه أعيد تفكيكها، بينما يتقاضى بعض الموظفين فيها أجورهم ويقومون بأعمال مختلفة ليست تلك المناطة بالهيئة. يتحدث أيضاً عن فشل مشروع خصخصة القطاع، الذي كان من شأنه إدخال مليارات الدولارات الى خزينة الدولة، والذي كان يجب أن يترافق مع المداخيل السنوية للخزينة من رسوم هذا القطاع وضرائبه إضافة الى المنافسة التي تحسن الاقتصاد وتسهم بمداخيل إضافية من الاقتصاد والنمو الاقتصادي، وهذا ما لم يحدث أيضاً.
يتوقف حاصباني عند تطور عقود الخلوي والتعاقد مع شركات خاصة لتسيير هذا المرفق منذ العام 2008، منتقداً تحوّله الى سلطة الوزير وإمضاءاته، في ظل غياب تام لاي رقابة من القطاع العام أو أجهزة رقابة الدولة، ما زاد التكاليف التي تعززت أكثر وأكثر مع عودة هذا القطاع كليا الى كنف الدولة، أضف الى ذلك عبء المخاطر الناجمة عن زيادة التكاليف وفرق العملة.
ويؤكد أن رفع الدعم قد يأتي لأننا استنزفنا كل الأموال الموجودة في احتياطي “المركزي”، وإذ يشدد على ضرورة الإسراع بإجراء إصلاحات حقيقية لم نتلمس منها شيئاً حتى الساعة، على الرغم من كل التطورات المتسارعة التي جرت منذ عام حتى اليوم، يلفت الى أن الإصلاحات العامة هي التي ستأتي بالمساعدات الدولية والاموال الموعودة.
يضيف، “إذا لم يجر لبنان الإصلاحات المطلوبة، لن تأتي الاموال البديلة وستضعف الخدمات، وسنعود بثقة الى العصر الحجري لناحية الخدمات وجودتها”، منتقداً سوء الإدارة المتراكم لسنوات في “الاتصالات”، على الرغم من كل التحذيرات التي أطلقتها “القوات”، حتى قبل مشاركتها في الحكومة.
لا يستبعد حاصباني امكانية ارتفاع اسعار الفاتورة، لان التكاليف بالدولار والجباية بالليرة اللبنانية، محملاً سياسات الـ18 سنة الخاطئة في القطاع المسؤولية، ومطالباً بتطبيق القانون وخصخصة القطاع كي لا يتحول الى عبء على خزينة الدولة وجيبة المواطن.
