
ينقر المطر بدفء الحنين على باب الضيعة. هنا تشرين، وهنا تتناثر الأوراق الملونة فوق صفحات التراب معلنة الخبر الكبير، خَلص خِلص الصيف وحان وقت الكنكنة.
قُطفت كل المواسم وبقي الزيتون “مننطر أول مطرة، مطرة تشرين بتحيي البساتين”، يقول ابن الضيعة المعتّق بغمر البركة. “كيف عم تقطفوا والكورونا تشل حركة الدني كلها؟”، يهز برأسه مستنكرا، “ليكي عمي هيدي بدعة افش كورونا. كيف يعني بدنا أنشفش بعضنا ولا نروح ع الكنيسة ولا ندفن موتانا؟”! كان من الصعب جداً إقناع ابن الجرد بأن ثمة وباء قاتل للعلاقات الإنسانية يجتاح الأرض كلها… آه على فكرة، هنا منطقة دير الاحمر التي أعلنت وزارة الداخلية عن أنها منطقة مقفلة بسبب انتشار الوباء. وهنا، وحتى اللحظة، وكما الكثير من مناطق لبنان، يرفض غالبية الأهالي الخضوع التام لقرارات وزارة الداخلية.
أن تُعلن منطقة دير الاحمر التي تشكّل 13 ضيعة، منطقة مقفلة، يعني أن الدولة دخلت بحرب معلنة مع الجميع. “من نحو أسبوعين أعلنت الداخلية عن إقفال منطقة الدير، يومذاك اعترضنا لان ما كان عنا إلا إصابتين بالوباء، وإحصاءات وزارة الصحة كانت خاطئة، اليوم وبالتعاون مع الصليب الأحمر نحن نعرف الأعداد الصحيحة، والمصابين ارتفع عددهم بشكل كبير، وصل الى نحو 38 إصابة بدير الأحمر لوحدها، عدا عن إصابات القرى المجاورة، ما يعني إنو الإفقال صار ضروري لكن الأهالي لا يقتنعون”، يقول نهرا بو يونس عضو بلدية دير الأحمر وعضو في لجنة طوارىء إتحاد بلديات الدير.
هنا جرد من جرد لبنان المجاور لجباله العالية. ينهمر الخريف سخياً، لكن تصريف المواسم لم يعرف السخاء المطلوب منذ سنين بسبب الإهمال المعروف. يحب أهل الدير خريفهم إذ يدخلهم في مزاج الحنين إلى الوجاق وقعدات الليل، وذاك السمر على حفافي وطن بالنسبة إليهم مهما تعاظم خطره، سيعود الى إهله. لكن وعلى الرغم مما يشتهرون به من صلابة وتاريخ نضالي عريق، يبدون وكأنهم يرفضون الأمر الواقع، ذاك الوباء المستحيل. “كل عمرنا عايشين مع بعضنا كيف هيك بدنا نفترق” يقول الكبار فوق، ولا يستوعبون حجم الإصابات المتزايد ككرة ثلج.
لماذا الارتفاع الكبير والمباغت بعدد الإصابات، والذي دفع وزارة الداخلية إلى ضرورة إعلان إقفال منطقة دير الاحمر؟ “السبب بديهي، عدم الالتزام بالوقاية المطلوبة، وخصوصاً في مراسم الدفن”، يقول بو يونس. دير الأحمر جرد من جرود لبنان، وأهل الضيعة غير أهل المدن، يتمسكون حتى الرمق الاخير بعاداتهم وتقاليدهم. وكما الكثير من قرى لبنان، ترفض منطقة الدير أن تترك موتاها يُدفنون لوحدهم مع أهلهم، فتهرع للمواساة والمشاركة “ولو على دمنا وصحتنا. مش عيب نترك مواتنا يفلوا هيك لحالن بدون تكريم؟ ما بيصرش هيك” يقول أبو الياس.
نخوة أبناء الضيعة في مؤازرة أحزان بعضهم البعض، وإحيانهم أفراحهم أيضاً، جعلتهم يدفعون الثمن من صحتهم، فانتشر الوباء بسرعة قياسية “وصار عنا 6 أو 7 بؤر انتشار من الدير وصولاً إلى عيناتا وبتدعي وغيرها، بسبب عدم الالتزام” يقول نهرا.
لجنة الطوارىء التي أُسست في شباط الماضي وتحوي على طبيب ومتطوعين شباب من المنطقة، تتابع يومياً تطور الوضع، وهي صلة الوصل بين وزارة الصحة والمختبرات وبين الناس والبلديات، وتعاني ضغطاً هائلاً، أولا لمعرفة المعلومات الصحيحة عن المصابين والمخالطين، لإرسالها للوزارة، وثانياً والأهم، تعاني من عدم تجاوب الناس مع التحذيرات التي تتولى هيئة الطوارى نشرها يومياً في محاولة للحد من انتشار الوباء، ” نحنا اليوم مع قرار الإقفال التام وخصوصاً بدير الأحمر وعيناتا. العالم كلو واقف عاجز عن المواجهة اللازمة فكيف نحنا بلبنان؟، على الناس إنو يتحملوا مسؤولياتهم كاملة، أغلب الأوقات ما عم نقدر نساعد مريض لإدخاله للمستشفى، لكن الناس مش مقدرة حجم الكارثة. وبالقرى الناس ما عم تطبق القانون كما يجب”.
في الضيعة الشرطي البلدي هو الشاويش، والشاويش من الأهالي. في الضيعة، لا يحمل الشرطي البلدي دفتر الضبوطات ليسطّر مخالفة، هو منا وفينا، وأهلية بمحلية. لذلك حتى دور الشرطي فوق مهمّش لهذه الناحية، وبدل أن يقتحم مثلاً جلسة عامرة بالأصحاب يجلسون من دون كمامات ومن دون تباعد اجتماعي، “ميّل ميّل شاويش نسهر”، فيدخل ويسهر معهم، ومرحبا قانون ومرحبا وقاية. “حتى القوى الامنية في قرانا لا تقوم بواجباتها كما يجب، لم نرَ حاجزاً واحداً يوقف الناس ويغرّمهم مثلاً لأنهم لا يرتدون الكمامات، منشان هيك طالبنا الدولة بتدابير فعلية صارمة بلكي يلتزموا الناس”، يقول نهرا ويعرف مسبقاً أن الأمر لن يحصل.
وفي محاولة لمحاصرة الوباء الوافد أيضاً من خارج منطقة دير الأحمر، طالبت لجنة الطوارىء محافظ البقاع بإصدار تعميم يدعو الى إقفال القضاء. تجاوب المحافظ ولم يحصل الالتزام الكافي، “حتى نقدر نسكّر فعلياً لازم نطلب من الناس يتمونوا لفترة شهر كامل ويبقوا ببيوتن، لكن ما حدن بيقبل، فلت الوضع من أيدينا بسبب عدم الالتزام”.
منذ أيام وبناء على طلب النائب أنطوان حبشي، زار وزير الصحة المنطقة واضطلع على معاناتها، لجنة الطوارىء طالبته بتخصيص طابقين للطوارىء. الوزارة الآن أوقفت في المنطقة فحوصات الـPCR وما عاد بإمكان هيئة الطوارىء متابعة الفحوصات التي تجري، ما الذي سيحصل إذن؟ “ما عاد في إلا حل وحيد إنو الناس تعمل فحوصاتها لحالها، وتراقب حالها بشكل جدي خصوصا بموسم الانفلونزا والرشح وما شابه، وإذا ما راقبنا حالنا وتصرفنا كما تقضي الوقاية نحنا رايحين على النموذج الإيطالي والإسباني ويمكن أسوأ بعد”، يقول نهرا.
يقف بو الياس على راس التلة عند أقدام العذراء مريم “ليكي عمي عنا مين يحمينا، لـ بدها ياه هالعدرا وسيدة بشوات بتعملو. نحنا ما منخافش إلا من ربنا، اتواخذينيش بدي فل عنا واجب عزا بالضيعة”…
منطقة دير الأحمر مثل قرى لبنان كافة، تعلّق الكمامة على العناية الالهية، ترفض الإقفال التام، وتذهب صاغرة إلى الخطر المتربص بها…
