
ما الذي يمكن أن يحققه الموفد الرئاسي الفرنسي باتريك دوريل مع طبقة حاكمة متهالكة متلهّفة على المنافع والتنفيعات والمحاصصات والزبائنية، فيما بلادها وشعبها يغرقان في المآسي المتدحرجة في هوة من دون قعر؟ وهل يتمكن الموفد الوكيل من النجاح حيث فشل رئيسه الأصيل إيمانويل ماكرون؟
“كل المعطيات المتوافرة، حتى الآن، لا تشير إلى أي تقدم يبنى عليه، خلال اللقاءات التي جمعت دوريل مع أركان الدولة الذين التقاهم، من رئيسي الجمهورية ميشال عون وحكومة تصريف الأعمال حسان دياب إلى الرئيس المكلف سعد الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بالإضافة إلى قيادات سياسية ورؤساء الكتل البرلمانية وشخصيات مستقلة. والغالب، أن الموفد الفرنسي فشل في اختراق جبهة “الجوع العتيق” للفريق الحاكم على “جيفة السلطة” بما يزيل العراقيل من أمام تشكيل الحكومة العتيدة”، بحسب مرجعية سياسية متابعة.
وترى المصادر ذاتها، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “جولات المباحثات التي عقدها دوريل، لا تبشر بخروج قريب من نفق التعطيل ووضع العراقيل، بما يسمح بولادة الحكومة التي يعوَّل عليها لمحاولة وقف الانهيار”، لافتة إلى أن “دوريل بدا كمن يدور في فراغ طبقة حاكمة متمرسة في الألاعيب والخزعبلات والبهلوانيات السياسية، مذهولاً لانتفاء أي حس بالمسؤولية لديها”.
وتعتبر، أنه “إذا كان يمكن الخروج بخلاصة للقاءات، فهي أن الموفد الفرنسي كرَّر التحذيرات الفرنسية، وضمناً الدولية، لكون مبادرة ماكرون غير معزولة عن التنسيق مع الأوروبيين والأميركيين، من ألا مساعدات ولا أموال، لا من صندوق النقد الدولي ولا من غيره، ما لم تشكل حكومة مهمة من اختصاصيين غير حزبيين تقرّ إصلاحات جذرية بتأييد من مختلف الأطياف السياسية. وألا مبادرات لاحقة في حال فشل المبادرة الفرنسية”.
وتضيف، “كذلك في المقابل، لم تكن مفاجئة التصاريح والبيانات المحلية التي تلت الاجتماع بين دوريل والمسؤولين على مختلف المستويات، ولا الكلام الإنشائي المكرر الفارغ من أي مضمون فعلي عن تأييد المبادرة الفرنسية، الذي حفلت به مواقف الأفرقاء ورؤية كل طرف منهم الخاصة لطبيعة الحكومة المقبلة وتفسيره للمبادرة بما ينسجم مع مصالحه. وهذا ما بدا واضحاً، إذ أتت مواقف الأطراف تكراراً ممّلاً لما هو معروف”.
ومع إشارتها إلى أن “الاهتمام الفرنسي بمحاولة إنقاذ لبنان لا يزال قائماً، وماكرون مستمر في محاولاته”، غير أنها لا تستبعد أن “تكون جولة موفده الخاص لمتابعة تنفيذ مبادرته تجاه لبنان التي أطلقها بعد تفجير مرفأ بيروت، للاطلاع على ما يعيق تطبيقها والوفاء بما تعهد به القادة اللبنانيون له في قصر الصنوبر في 3 أيلول الماضي، أتت في إطار يقترب من أن يكون أشبه بمحاولة أخيرة قبل أن ينفض ماكرون يده نتيجة الخيبة”.
وتؤكد المصادر، أنه “وفق التجارب الطويلة مع الفريق الحاكم، لا شيء سيتغير بعد زيارة دوريل. فمن لم يُقم أي اعتبار لرئيس دولة مثل فرنسا يتعاطف مع لبنان ويخصص له وقتاً لافتاً لإنقاذه، على الرغم مما تمر به بلاده من أزمات مستجدة خطرة، وزاره مرتين في أقل من شهر بعد كارثة المرفأ، لن يقيم أي اعتبار لموفده”.
وتشدد، على أن “الطبقة الحاكمة ستبقى على مواقفها المعروفة قبل مجيئ دوريل والمستمرة بعد مغادرته، إذ لا صوت يعلو بالنسبة لها على صوت منافعها ومصالحها بعدما باتت فاقدة لأي حس بالمسؤولية، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً”.
وترى، أنه “على ضوء ذلك، لا حكومة في الأفق المنظور. بالتالي، من الصعب أن يعقد ماكرون مؤتمر الدعم الذي كان وعد به نهاية الشهر الحالي في باريس، إذ من غير المنطقي أن يواصل العمل على تجييش أوسع دعم مالي من الدول الصديقة للبنان وتوفير مساعدات بمليارات الدولارات لإنقاذه، فيما دوريل يرفع له تقريراً عن طبقة حاكمة تتابع أعمالها الزبائنية كالمعتاد، وكأن لا انهيار ولا تفكك ولا تحلل لدولتها، ولا جوع ولا فقر ولا موت يعانيه شعبها”.
من جهتها، تعتبر مصادر اقتصادية ومالية، عبر موقع “القوات” الإلكتروني، أن “المؤشرات غير المطمئنة لجولة الموفد الفرنسي، تنذر بمضاعفات قد تكون كارثية على ما تبقى من صمود هش لدى مختلف القطاعات وسائر المواطنين، ما لم يتدارك المسؤولون نتائج تفشيل المبادرة الفرنسية التي لا فرص غيرها مطروحة، والعمل سريعاً على تشكيل حكومة تحوز على ثقة العالم وتعيد مصالحة لبنان مع العالم العربي، الرافد الأكبر التاريخي لمساعدة لبنان”.
وتشدد، على أن “الجميع يعلم، أنه في حال تشكلت حكومة الثقة المطلوبة بإلحاح، وأقرت الإصلاحات بأعلى المواصفات الدولية واستُتبعت بالمساعدات من الدول الصديقة والمانحة، اليوم، فلبنان لن يبدأ بالخروج من أزمته بشكل ملموس فعلياً قبل نحو سنتين، فكم بالحري في حال لم يتحقق أي شيء من ذلك؟ عندها لا يمكن تصور السيناريو الأسود الذي ينتظرنا”.
