"طبعاً مش ماشي الحال مع السلاح"
صفير للبنانيين عشية 14 آذار: تمسّكوا بالحرية
الذهاب الى بكركي هو "صعود الى الجبل"، بالمعنى الجغرافي والروحي. هو الذهاب الى الشموخ العنيد الذي يلامس السماء. أما الدخول الى بكركي فهو الولوج في التاريخ. هو مرور بين أعمدة الذاكرة وقناطرها الصلدة.
وأن تكون في حضرة الصرح، في رحابته، فهذا "وصول" الى المكان الذي انعقدت فيه فكرة الحرية في هذا الشرق، واتصلت به فكرة الاستقلال.
في قلب هذا الصرح، قلب نابض وضمير نقي، هو رجل "الغبطة"، و"كاردينال" الاعتدال، و"راعي" الصواب، وكلمة الحق الحيّة. هو سليل بطاركة العنفوان والإباء، الذين صنعوا مجد لبنان.
البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي اضاف لكل هذا المجد مجداً. وكيف نضيف المجد مجداً؟ ذاك سر بطريرك انطاكية وسائر المشرق. فمن تواضعه وخفره وطهارته، ومن صميم الزهد كان مجده وكانت قوته.
من زخم هذه القوة، ومن أصالة تواضعه استلهم البطريرك قراره بالاستقالة. تلك هي المرة الاولى التي يقرر فيها بطريرك ماروني بملء ارادته ان يترك كرسيّه وصولجانه: "صار عمري تسعين عاماً. العمر هو السبب. اريد ان اذهب قبل ان تقهرني الشيخوخة. أن استريح وأنا في عافيتي الذهنية والجسدية وقبل ان يغلبني التعب".
كأنما البطريرك، الجليل بانحناءة تواضعه، يوحي بأنه يستقيل وهو بكامل صفائه العقلي، في وقت يستبد على المشهد السياسي من تذهب عقولهم بالسلطة ومطمع الكرسي. بل وكأن هذه "الاستقالة" عظة للآخرين في الاخلاق والسياسة.. ولا من متعظ.
تصغي اليه وأنت تتذكر ما تعرّض له من حملات وافتراءات، وها هي تتجدد عليه وعلى رئيس الجمهورية، فيتأنى كعادته مجيباً بنبرة تسامحية، وبصوت الغفران: "طول عمرها الحملات عليّ وعلى الرئيس… هل نسيتم ما فعلوه عام 1989 عندما أتوا الى هنا؟" ثم يستدرك "بعض الناس عنده مطلب او مطمع وثمة احد لم يحققه له". يهز رأسه، ممسكاً عن تتمة الكلام.
البطريرك المستقيل، الذي لا يتخلى عن روح المسؤولية، مازال يهجس بمستقبل الايام، متمنياً ان يتم انتخاب بطريرك جديد، آملاً "ان ينجح السينودس في الاتفاق على اسم البطريرك العتيد بعيداً عن التعيين".
ويؤكد ان "لكل بطريرك اسلوبه وشخصيته لكن ثوابت الكنيسة لا تتغير: سيادة لبنان وحريته واستقلاله". تلك الركائز التي صانها البطريرك صفير طوال 25 عاماً، بالمكابدة اليومية، ومن غير تراجع ولو قيد انملة، واستطاع بطاقته ان يحولها الى بداهة لبنانية، تجاوز كل الطوائف، ويجعلها صنو "الهوية" اللبنانية، ومحور كل سياسة وتفكير وعمل.
لذا فهو يمتنع عن ترك وصية او نصيحة للبطريرك الجديد: "لا اوصي احداً. البطريرك وصي نفسه، وهو الذي يقرر". فالبطريرك صفير، بهذا المعنى، يعطي الامانة، ينقل ذاك الميراث الكبير والثقيل: رسالة الايمان بلبنان "الرسالة".
وان كان هناك من وصية، فربما هي للبنانيين، للشعب الذي عانى الويلات ومازال، وقاسَمَه البطريرك أوقات المحن والنكبات، وظل متمسكاً بالرجاء في أحلك الظروف وأصعبها: "يجب ان يعرف اللبنانيون الحقيقة. هذه ثابتة ومسلمة"، "لازم يعرفوا الحقيقة ومن هم القتلة.. ولا بد من المحكمة الدولية، ومن العدالة ومن عقاب للفاعلين".
ومن اجل ذلك، يؤكد البطريرك رداً على سؤال حول ذكرى 14 آذار العتيدة: "للأسف، اللبنانيون منقسمون بين 8 و14 آذار. لكن عليهم كمواطنين ان يتمسكوا بالثوابت الوطنية، واقول للبنانيين تمسكوا بالحرية.. تمسكوا بالحرية".
اما عن رأيه بما قاله الرئيس سعد الحريري والقسم الاعظم من اللبنانيين "لأ، مش ماشي الحال مع السلاح"، فيقول البطريرك من غير تردد: "طبعاً مش ماشي الحال مع السلاح. ونحن لطالما قلنا هذا الامر في السابق ومازلنا نقوله. طبعاً مش ماشي الحال مع السلاح، والا فلماذا تشكل الدول حكومات لها؟ وظيفة كل حكومة هي ان تحمل وحدها السلاح لتدافع عن المواطنين وعن الارض. هي وحدها التي تحمل السلاح، اما المواطنون فينصرف كل واحد منهم الى عمله ومشاغله وحياته اليومية.. طبعاً مش ماشي الحال مع السلاح".