#adsense

13 آذار .. لأ لرهن الوطن

حجم الخط

13 آذار .. لأ لرهن الوطن
2005 .. انتفاضة الـ SMS

 
خلال العام 2005 صنع اللبنانيون في ساحة الشهداء انتفاضة من أعظم الانتفاضات في العالم من حيث التغيير الذي أنتجته، والحجم البشري الذي شارك بها نسبة إلى عدد سكان الشعب اللبناني، ومن حيث قدرتها على الصمود في وجه محاولات جرها إلى مشاكل في الشوارع. كانت انتفاضة سلمية ومبدعة في الشكل والمضمون وخارجة عن أطر التقليد والإرث الحركي أو العمل الجماهيري المعتاد حزبياً، وهي كانت جزءاً من حداثة لبنان التي يختزنها شبابه من كل الطوائف وكل المناطق. انتفاضة غيّرت الكثير في تقنيات المواجهة مع الأنظمة القمعية والديكتاتورية وصنعت في أشهر وبضعة أيام ما لم يمكن صناعته خلال سنوات طويلة.

هناك في ساحة الحرية التقوا صبايا وشباناً من الجنوب والشمال والبقاع والجبل وبيروت، عرفوا قيمة الصورة في صناعة الحدث، وكذلك قيمة وسائل الاتصال وخصوصاً عبر الهاتف، وقدرتها على المساهمة في نقل الوضع الحقيقي للأرض وفي دفع الناس للمشاركة بالإضافة إلى جلب دعم الرأي العام العالمي كما العربي. كانت الأفكار كثيرة وتحتاج إلى تنفيذ، بعضها خيالي وبعضها الآخر قريب من الواقع، لكنها أفكار شبابية تم تنفيذ أكثرها.

بداية التحركات كانت خلال يوم شباط بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري بساعات، انطلقت تظاهرات صغيرة من عدة أماكن بشكل غير منظم، كانت أبرزها التي انطلقت من أمام مستشفى الجامعة الأميركية باتجاه مركز لمخابرات الوصاية في منطقة الكولا. تجربة اليوم الأول لفتت المشاركين في التحضير للانتفاضة إلى عدة قضايا كان أهمها سلمية التحركات واستعمال النشيد الوطني اللبناني لتوحيد الانتماء، بالإضافة إلى منع رفع الأعلام الحزبية ومنع الشعارات العنصرية أو الفئوية التي قد يطلقها البعض خطأً، لان الانتفاضة تعني كل اللبنانيين والتجربة جديدة من حيث التقاء مكونات الوطن كافة لأول مرة وبهذا الحجم في انتفاضة هدفها الاستقلال والعدالة.

الاجتماعات التحضيرية للانتفاضة كانت بدأت قبل أسابيع من انفجار "السان جورج" بمشاركة لقاء قرنة شهوان والمنبر الديموقراطي واليسار الديموقراطي وممثلين عن الرئيس الشهيد عبر الشهيد باسل فليحان وغطاس خوري وكذلك الحزب التقدمي الاشتراكي. كانت هذه اللقاءات تناقش مرحلة الانتخابات النيابية في شهر حزيران وكيفية تحويلها إلى انتفاضة في وجه الوصاية والنظام الأمني المشترك، انتفاضة ما لبثت ان تحولت الى واقع مفروض على الجميع بعد يوم شباط من دون انتظار مرحلة الانتخابات.

يوم شباط بدأت مجموعة مشتركة من الشبان بوضع أربع خيم صغيرة بالقرب من تمثال الشهداء، نام عدد منهم هناك فيما كانت الاجتماعات بدأت لوضع أسس إدارة المخيم الذي سيمتد لأشهر، من توزيع الخيم حسب القوى الحزبية إلى تحديد مكان خيمة المجتمع المدني وتحديد لائحة طويلة جداً بالممنوعات والمسموحات، كما الاتصال بعدد من الأصدقاء لبناء منصة للخطباء ووضع شاشتين مرتفعتين لنقل الصور التلفزيونية.

الخيم الأولى تم شراؤها بشكل فردي من حسابات شخصية. في اليوم الأول كانت أكبر خيمة تسع لشخصين ثمنها خمس وسبعون دولارا أميركيا اشتراها فاروق من سوبرماركت، فيما بدأ بعض الشبان بجلب البطانيات الصوف من المنازل، أما الأعلام اللبنانية فتكفلت السيدة نورا جنبلاط بتأمينها عبر أحد معامل الخياطة. كان أي عمل يحتاج إلى تحرك سريع جداً، والهاتف هو الصلة الوحيدة مع الآخرين إضافة إلى كاميرا تلفزيون المستقبل التي كانت تنقل حضور الناس إلى ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري واعتصامات ساحة الحرية. ومشكلة الهاتف الخلوي كانت انقطاع الارسال في الوقت الذي يصل فيه الإزدحام في الساحة الى أكثر من عشرين ألف متظاهر. تم الاعتماد على الرسائل النصية smsلأنها الأكثر قدرة على التواصل من الاتصالات العادية في حال انقطاع الارسال، حيث كان جهاد يقوم يومياً بإرسال أكثر من عشرة آلاف رسالة نصية من هواتف نقالة تملكها شركته الخاصة إلى آلاف المواطنين الذين تركوا أرقامهم مع المعتصمين في المخيم، لدعوتهم إلى التظاهر أو المشاركة في صناعة أكبر علم أو المشاركة في السلسة البشرية بين الساحة وساحة السان جورج، والتظاهر وغيرها.. كانت هذه الرسائل النصية تشبه إلى حد كبير مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت مثل "الفايسبوك" و"تويتر" في الثورات العربية هذه الأيام.

في اليوم الأول بعد تشييع جثمان الرئيس الشهيد، عُينت لجنة ضمت أفراداً عن الأحزاب والمجتمع المدني وواحدا عن المنظمات الشبابية لادارة المخيم، حيث توحدت التجارب في صناعة التحركات الشعبية بين هذه القوى. يومها تم الاستعانة كثيراً بتجربة اليسار الديموقراطي في الاعتصام لمدة شهر في ساحة الشهداء عام مع بدء الحصار على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في المقاطعة في رام الله، تجربة الاعتصام تلك بحسناتها وأخطائها وضعت أمام اللجنة للتحضير لما يحتاج له المخيم، وكذلك لما يمكن أن يحصل من إشكالات خلال وضع شبان من مشارب مختلفة في مكان واحد.

في تلك المرحلة كانت أسمى اندراوس مع مجموعة من الأصدقاء قد بدأوا الاتصال بعدد من المطاعم للتبرع بما أمكن للمنتفضين الشبان الذين ينامون في الساحة والذين وصل عددهم إلى أكثر من . قسّمت أسمى وفريقها عملهم على المطاعم التي وافقت على التبرع بحسب قدراتها من مياه وسندويشات، فيما تحولت خيمة المجتمع المدني الموضوعة في منتصف المخيم أيضاً الى مركز للأدوية الطبية وغيرها من تفاصيل يحتاجها المعتصمون بشكل دائم في ساحة الحرية.

عملت لجنة المخيم على جمع الأفكار من المواطنين، من أفكار لمعارض رسوم الأطفال الذين يأتي أهلهم للمشاركة في الانتفاضة، إلى خيمة مخصصة للأولاد الصغار الذين يفقدهم أهلهم إلى معرض الصور الذي أقامته شيرين عبدالله للحظات الأخيرة للرئيس الشهيد والأيام الأولى للانتفاضة، وكذلك الأنشطة المتعلقة بالتظاهرات وأجهزة الصوت والطيارات الورقية والكاميرا التي كانت موضوعة فوق أحد المباني لمتابعة أي اعتداء قد يتعرض له المخيم من قبل "بلطجية" النظام الأمني المشترك. تم الاتفاق على وضع برنامج سهرات نقاشية للشبان حول الكثير من القضايا الخلافية في التاريخ اللبناني، حيث كانت تنتقل السهرة كل ليلة أمام إحدى الخيم أو في خيمة كبيرة وضعتها القوات اللبنانية. النقاشات بين الشبان بدت وخصوصاً أن أكثرهم كان للمرة الأولى يتعرف فيها إلى الطرف الآخر من الوطن، سهرات أبدع فيها الشبان في إظهار مدى حاجتهم إلى إبراز اختلافهم في عدد من القضايا وكذلك تقاربهم في قضايا أخرى، لم يكن في هذه النقاشات أي ممنوع، فلا شيء يخيف طالما أن الجميع يشارك من منطق التعرّف إلى الآخر.

ليلة شباط
يوم شباط اجتمع مجلس الوزراء واتخذ قراراً غير معلن بدخول القوى الأمنية مخيم الحرية بعد محاصرته، وابعاد الشبان عنه واعتقال من يقاوم قرار اقفاله. أبلغ أحد وزراء حكومة عمر كرامي صديقاً مشتركاً عن القرار، عند السادسة مساء اتصل هذا الصديق وقال إن المخيم سيتم حصاره عند الثامنة مساء، ليتم اقتلاعه وإعادة الساحة إلى شكلها السابق ليوم شباط.

بدأت مجموعة الاتصال عملها سريعاً بتوزيع الرسائل النصية على الهواتف لتبليغ أكبر عدد من الناشطين، فيما قامت مجموعة ثانية بدرس حاجات المخيم لأي حصار قد يفرض على الساحة. خلال ساعتين ارتفع عدد المشاركين من ثلاثمئة شخص إلى ، وحين بدأ تطبيق "كمّاشة" الحصار كان عدد كبير من الناس وصلوا ومعهم مؤونة زائدة من الأغطية الصوفية والسندويشات بالإضافة إلى عبوات المياه، فيما تم استقدام عدد من سيارات النواب التي لم تمنع من دخول المخيم لجلب أكبر قدر من الحاجات لمن يطلب. استنفر عدد من المطاعم في بيروت للتبرع بما أمكن للشبان وتهريبهم إلى المخيم مع سيارات النواب، فيما بدأ البعض الاتصال بأصحاب محال الورد تحضيراً لشراء كمية من الورود لتوزيعها على الجنود حين يقتربون من المخيم كتعبير عن الحب للجيش اللبناني.

الأخبار الواردة من المناطق أعطت صورة جيدة عن حركة الناس في ذلك المساء باتجاه بيروت، البعض لم يجد سيارة تنقله أتى سيراً على الأقدام وآخرون جمعوا بعضهم في سيارات ليصلوا إلى الساحة ويدافعوا بكثرة العدد وبشكل سلمي عن الانتفاضة. وصلت سيارة شحن من رأس المتن ووقفت فوق جسر "الرينغ" كانت تحمل أجهزة صوت وتضع أغاني ثورية طوال الليل للناس المتجمعين على الحواجز خارج الساحة، التاسعة مساء اقتربت مجموعة من أحد ملاعب التنس الموجودة في الساحة، كان الشبك الحديد فيها بارتفاع أكثر من خمسة أمتار، تسلقه أكثر من مئة شاب ودخلوا إلى الساحة قبل أن تصل إليهم القوى الأمنية ، كانت الجرعة الأولى لدعم المعتصمين ورفع معنوياتهم بعد تشديد الحصار عليهم بالكامل.

بعد ساعات بدأ الواقفون خارج الحصار كما من داخل الساحة باعتماد خطة جديدة تقتضي بالاقتراب بكميات كبيرة من حواجز الجيش اللبناني والاختلاط معهم لتضييع المشهد ودخول نحو خمسمئة شخص كل مرة. كان موقف الجيش رائعاً في تلك الليلة حيث تغاضى عن هذا التدفق المنظم إلى الساحة، كان في تلك اللحظة يمثل ضمير اللبنانيين الموجودين في منازلهم الذين لا يستطيعون المشاركة بانتظار ساعات الصباح. استمرت حملات تدفق الناس إلى حواجز الجيش خلال الليل ليصل عدد المتواجدين عند الخامسة صباحاً أي ساعة الصفر لدخول القوى الأمنية المخيم إلى أكثر من خمسة عشر ألف شخص.

التنسيق في تلك الليلة كان على أعلى مستوياته بين المجموعة المحاصرة وجزء منها بقي خارج الحصار لتأمين متطلبات المتواجدين في الداخل. من مبنى جريدة النهار ومكتب الشهيد جبران تويني عملت خلية العمل بشكل منظم، فيما كانت مجموعة جهاد تواصل تعبئة الناس برسائل الـ sms وشرح الوضع وطرق الوصول إلى الساحة، كانت الوسيلة الأكثر صناعة للأخبار لحظة بلحظة، كما ساهم تلفزيون المستقبل من خلال النقل المباشر في ايصال الوضع للناس طوال الليل في منازلهم وعبر إذاعة الشرق لمن بقوا في سياراتهم في الشوارع القريبة ينتظرون دورهم للدخول إلى المخيم.

يوم الاثنين شباط كان التنسيق في مرحلة جديدة مع النواب الذين دخلوا إلى المجلس النيابي لنقاش دعا إليه رئيسه نبيه بري حول قانون الانتخاب، فكل كلمة في المجلس يلقيها أحد نواب المعارضة كانت تشعل الموجودين في الساحة، والكلمة المفصلية كانت للنائب بهية الحريري، التي أعلن بعدها الرئيس عمر كرامي استقالة حكومته. في تلك اللحظة وصل صراخ الناس في الساحة إلى أرجاء الوطن، صراخ الانتصار على النظام الأمني المشترك، صراخ المتأكدين أن الاستقلال آت لا محالة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل