بالأمس أطلّ "الجنرال" عبر شاشات التلفزة إلى يمين صاحب الغبطة مُقرّاً بالدور التاريخي للكاردينال صفير مُعترفاً علناً وجهراً بالإساءة إلى صاحب الغبطة، مُعتذراً منه من دون لبس ولا مواربة.
نعم، اعترف "الجنرال" من قلب بكركي أن سيّد الصرح "رجلٌ كبير" بدليل أنه كان جاهزاً دائماً والمُدافع عن القيم المسيحية، شاكراً لصاحب الغبطة الخدمة الطويلة التي خدمها لوطنه وكهنوته ومسيحيته ولجميع اللبنانيين.
نعم، استخلص "الجنرال" العِبَر وأقرّ أخيراً أن بكركي المجردة من أي مشروعٍ سياسي أو طموحٍ رئاسيّ أو منصبٍ نيابيّ أو مقعدٍ وزاريّ، همّها الأول والأخير هو لبنان الدولة والوطن والحفاظ على الوجود المسيحي في هذا الشرق المضطرب، فالاستنتاج يقضي التأكيد أن الطرف المعترض كائناً مَن كان هو حتماً على خطأ وبكركي دوماً على صواب، لا لشيء إلاّ لأنها مجردة من أي طموحٍ سياسيّ، وهنا تكمن قوتها وصلابتها.
نعم، نكاد لا نصدّق ما شاهدناه أو ما سمعناه، "الجنرال" يُثمّنُ صاحب الغبطة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، مُلقياً فيه خير الكلام، مُسقطاً الهجاء وشاهراً لسان المديح… مشهدٌ قد يكون الأهم على الإطلاق في مطلع الألفية الثالثة، يكاد يخطف الأضواء ويقطع الأنفاس، فلا تعرف ماذا تفعل، هل تحزن أو تذرف الدموع على الأيام والسنين التي خلت حيث كان "الجنرال" خارج أحضان بكركي، يمعن بشغفٍ وبلا شفقة بزيادة الشرخ داخل صفوف المسيحيين؟ أو تفرح وتبتهج وتطلق الزغاريد والأهازيج وترش الأرز وتنثر الزهور وتقرع الأجراس وترقص في الطرق على نية "الجنرال" لأنه أدرك أخيراً، وإنْ متأخراً، أن بكركي هي بيت الطاعة والملجأ الأمين للإبن الضال؟
نعم، أدرك "الجنرال" أخيراً أن صاحب الغبطة مترفّع فوق المصالح الضيقة والأنانيات المعهودة.
نعم، أيقن "الجنرال" أخيراً أن التطاول على بكركي لم يزد صاحب الغبطة إلاّ صلابة وعنفواناً وتمسكاً بالمبادئ والثوابت.
نعم، لمس "الجنرال" أخيراً أنه كلما حاول مع حلفائه عزل بكركي وسيدها، كانت بكركي تتحوّل دائماً إلى محجاً يفيء إليه جميع العطشى إلى محبة الله والوطن.
نعم، اقتنع "الجنرال" أخيراً أنه لولا بكركي لما كان اليوم يُنصّب نفسه "زعيماً" في قلب جبل لبنان بل كان يتفيأ دبابات الجيش السوري ويتظلل مخيمات التدريب إلى جانب "السلاح غير الأبدي".
نعم، اعترف "الجنرال" أخيراً أنه تطاول على أرفع مرجعية مسيحية في لبنان والشرق محاولاً نفض غبار الرذيلة ومحوها وإزالة الخدوش التي أوجدها.
نعم، حاول "الجنرال" أخيراً أن يغسل يديه من السابقة التي حاول إرساءها قاعدةً للتطاول والهجاء والإساءة.
نعم، خجل "الجنرال" أخيراً من نفسه، عاتباً على ذاته، مُدركاً أنه وإنْ تمكّن يوماً من رفع صورته على كرسي بكركي والاعتداء على سيّد الصرح، فيبقى الصرح مرجعاً والبطريرك سيداً … وللرجال أشباهاً …
نعم، علم "الجنرال" أخيراً أن هذا النموذج من المسيحيين بات إلى زوال وانقراض فحاول التقرّب والتبرّك حانياً رأسه ورافعاً يديه.
نعم، امتنع "الجنرال" أخيراً عن توجيه الكلمات النابية لبكركي محاولاً استدراك صفحات العار من كتاب التاريخ، واستدرار عطفٍ فقده، واسترداد هيبةٍ محاها الزمن.
نعم، عرف "الجنرال" أخيراً أن داخل جدران بكركي أسطورةً في رجل، هذا الرجل الذي صقلته الصعاب، ناضل ربع قرنٍ من الزمن وبقي كالرمح منتصباً عينه على الطائفة وقلبه على الوطن.
إلاّ أن السؤال يبقى لو أن صاحب الغبطة بقي في سدة المسؤولية ولم يتقدّم باستقالته، هل كُنّا سمعنا من "الجنرال" ما قاله عن سيدّ بكركي من "مديح كبير"؟
إنها لعنة القدر لا بل من غدر الزمن أن أحد "الضالين" يُهاجم، يُكابر ويتطاول على مدى سنين ثم يظهر في لحظاتٍ نادماً، مُتراجعاً، مُعتذراً، مُعلناً الطاعة… حقاً إنها مهزلة العصر… مهزلة تستوجب إضافتها كأعجوبة إلى عجائب الدنيا السبع…
وهنا يستحضرني قولٌ لأحد الزعماء اليهود يقول فيه: "إنّ العرب شعبٌ عظيم إنما بعد الرحيل أو الموت"، وهذا فعلاً ما أدركه "الجنرال" عن صاحب الغبطة، إنما في يوم الرحيل…
وا أسفاه!! وا حسرتاه!! يا شعب لبنان العظيم …