#dfp #adsense

الأب مارون عوده: يخافون الله ولا يخافون الشرير

حجم الخط

كتب الأب مارون عوده في “المسيرة” – العدد 1712

الأب مارون عوده: يخافون الله ولا يخافون الشرير

الرهبان بوصلة الشعب في كل زمان

 

حين تكرّستُ في الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، أدركت عظمة أن تكون سائرًا على طريق الربّ يسوع المسيح، وأكتافك مثقلة بتاريخ رهبانيّةٍ مقدّسٍ في قلب وطنٍ ومجتمعٍ يقومان على حريّة الإيمان وصون كرامة الإنسان. تعيش مبادئ إنسانيّة رهبانيّة في زمنٍ بائسٍ، وسط جيلٍ معوّجٍ لا يتنازل عن أنانيّته، على الرغم من جميع العواصف والكوارث التي تعصف بنا من كلّ حدبٍ وصوبٍ. قبل التكرس الرهبانيّ قال لي أحد المتقدمين في العمر صاحب خبرة مجتمعيّة: «إنّ الراهب في الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة يكون بوصلة الشعب والمجتمع، في كلّ زمانٍ، حتّى في أحلك الظروف من حروب وكوارث وانحطاط أخلاقيّ…». أختبر اليوم هذه الحالة الرهبانيّة، نسير في خطىً ثابتةٍ على سُبُل الربّ مستندين إلى تاريخٍ رهبانيٍّ مجيدٍ أعطى أربعة قدّيسين معلنين من قبل الكنيسة، عاشوا قناعاتهم الرهبانيّة في أيام بائسة لا تختلف ظروفها عن ظروفنا الحاليّة، وفي الوقت عينه علينا قيادة شعبنا نحو مستقبلٍ مجيدٍ يشبه التاريخ اللبنانيّ الرهبانيّ.

تبذرُ الرهبانيّة بذارًا مسيحيّةً روحيّةً في جميع مناطق وطننا، في سبيل بناء ملكوت الله على الأرض، وتسقي كرومها هذه وتنمّيها من خلال عمل أديارها المنتشرة في جميع المناطق اللبنانيّة حيث يشهد رهبانها شهادةً حيّةً لتحقيق مشيئة الله على أرضنا، أمّا الحصاد وقطاف الثمار فتتركهما لربّ الحصاد ليحصد ثمارًا تليق بالملكوت السماويّ. تعمل الرهبانيّة لهدفٍ واحدٍ هو تقديس المجتمع ورهبانها، وهذا ما جعلها تستمرُّ على مدى 325 سنة في صميم التاريخ اللبنانيّ بالرغم من كلّ قساوة التاريخ وظلمه على لبنان وعلى الرهبانيّة. إستمرّت لإنّها تقصد بيت الآب السماويّ، وتريد بناء الإنسان الحرّ والمواطن اللبنانيّ، ولا تراهن سوى على إرادة الله القدّوسة في تحقيق مشيئته، ولا تّتكل سوى على سواعد رهبانها، وقدرتهم على تدجين المصاعب والعوائق، واحتواء العواصف والكوارث. ويجب أن نستشهد في هذه المناسبة بالطوباويّ الأخ إسطفان نعمة: بالرغم من فداحة الحرب العالميّة الأولى، واجتياح الجراد للمحاصيل الزراعيّة وموت الناس جوعًا وقتلًا وسوداويّة المصير وانعدام المستقبل في الأفق، لم يتوقّف عن بناء البساتين وزراعة الزيتون، لأنّه كان مؤمنًا أن عليه أن يعمل بجدٍّ ومثابرة والإتكال على الله، إنّها المقاومة الحقيقيّة، وهي أن لا تستسلم لواقع ظروف يفرضها عليك عدوّك، بل أن تستمرّ في عملك الإنتاجيّ، وتخطّط وتعمل لبناء مستقبل شعبك، متّكلّا على الله أولًا، وعلى قدراتك الذاتيّة ثانيًا.

تدرك الرهبانيّة إنتسابها لكنيسة المسيح الذي لم يؤسس ديانة فقط، بل أسّس كنيسةً تلتزم قضايا الإنسان بكافّة مستوياتها، وتُطوِّر ذاتها إنسانيًّا وثقافيًّا وتقنيًّا كي تؤمّن للإنسان حياةً لائقةً، ليتسنّى له العيش بكرامة وممارسة حريته الإيمانيّة. إبّان الحرب اللبنانيّة في سبعينيّات القرن الماضي، حين كانت القذائف تبتر أطراف الشباب اللبنانيّين وتعيق حركتهم، باعت الرهبانيّة قسمًا من أملاكها لتبني معهد المعاقين في بيت شباب، كي يبقى جريح الحرب منتجًا حرًّا ولا يكون عالةً على أحدٍ. وتدرك الرهبانيّة أيضًا أنّ غاية رسالتها الوجوديّة اليوم هي في إستمرار تحمّل العبء الماديّ في مؤسساتها الزراعيّة الإنتاجيّة والتربويّة والإستشفائيّة والإجتماعيّة في هذه الظروف الإقتصاديّة المدمّرة، لأنّ الاستثمار الحقيقي يكون في الشباب المثقّف والمنتج، وهي لم تسعَ يومًا لربحٍ ماديٍّ بل للشهادة لملكوت الله وقداسة المجتمع. تواجه الرهبانيّة اليوم في رسالتها هذه معضلة فقدان ثقة الشباب في الحكّام وفي مؤسّسات الدولة. فهي مؤسّسة كنسيّة تحمل بوصلة شباب المستقبل، وهي رهبانيّة قانونيّة تلتزم بحفظ قوانينها وأعرافها، تعي جيّدًا أن المواطن لا يستطيع أن ينتج ويستثمر خارج هرميّة الدولة ومؤسّساتها، لذا عليها أن تسير بالقرب من الشبيبة وخارجًا عن أهوائهم لتأخذهم بيدهم برفقٍ ومحبّة بنويّة إلى برّ أمان المؤسّسات من جهة، ولتساهم في استمراريّة مؤسّسات الدولة من جهة ثانية. إنّها مقاومة من نوع آخر، وهي أن تربّي الشباب على الإنتظام في القوانين والمؤسّسات، بينما المجتمع ينزح نحو التفلّت والخروج عن القانون.

تؤمن الرهبانيّة إيمانًا قاطعًا أنّ الكون والبيئة عطيّة من الله الخالق ومن واجبها المواظبة والسهر على حماية البيئة والحفاظ على التكاثر الطبيعي فيها، كما عليها الدفاع عن التشوّه البيئي في مواجهتها مع هواة المرامل والمقالع والكسّارات، وهذا ما يجعلها في مواجهة شرسة ومستمرّة مع بعض الطامعين في أملاكها للسيطرة على كنوز الطبيعة وبيعها في سوق النحاسة. لكنها رهبانيّة تتبع تعاليم قداسة البابا فرنسيس ولا تحيد عنها، لذلك لن تتخلّى عن حقوقها في الأملاك والدفاع عنها مهما اشتدّت التجارب واستعرت البلطجة والأطماع. وكي تنتصر على البلطجة، تعمل الرهبنة على إستثمار القسم الأكبر من أراضيها زراعيًا، حتّى التي كانت غيرَ مؤهَّلة للزراعة سابقًا، وتقوم بالتوازي بالإختبارات العلميّة والتقنيّة لتصنيع الأعشاب البريّة الطبيّة، وإنتاج مشتقّات الزيتون، العنب، والمربيات… وذلك من أجل إيجاد فرص عمل جديدة، والتشجيع على الزراعة وتربية الدواجن، واستثمارها دون المساس بمخزون الجبال من رمل وبحص، وهكذا تعيش الرهبانيّة عمق إلتزامها الرهبانيّ البيئيّ وليكن الله مسبِّحًا.

تحاكي الرهبانيّة بتاريخها وحضورها تاريخ لبنان وشعبه، وقد حملت إسم لبنان قبل الكيان، ورفعت أرزة لبنان شعارًا لها قبل ارتفاعها على العلم اللبناني. كانت من مؤسّسي الكيان اللبناني وهي في أساس قيامة دولة لبنان، مما جعلها تقف بوجه كلّ غاصبٍ حاول اغتصاب لبنان، وكانت الأمّ الحنون لشعبه أمام كلّ خطرٍ أو جوعٍ أو جائحةٍ، ولها في صموده اليد الطولى، وقد خصّص لها التاريخ صفحات كثيرة وطويلة من صفحاته. بيد أنها رهبانيّة لبنانيّة مارونيّة لا تتبع إلّا صوت الربّ يسوع المسيح، ولا تبغي سوى بنيان ملكوت الله وقداسة رهبانها ومجتمعها، وفي يدها عصا راعٍ من حديدٍ تدافع بها عن شعبها متى تربّص به خطرٌ، ورهبانها مقاومون سائرون على سُبُل الربّ، يضعون رجاءهم في قيامة الربّ يسوع المسيح لا يخافون الشرير، بل يخافون الله.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل