"ما يجري اليوم لفرض حكومة "أمر واقع" بالأساليب القسرية المفروضة بالقوة والضغط قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة"
كتب معروف الداعوق في صحيفة "اللواء":
في مقاربة هادئة وموضوعية للأوضاع السياسية التي يمر بها لبنان حالياً بكل تعقيداتها وواقع الانقسام الحاد الذي يعيشه اللبنانيون مع ما مرّ به الوضع اللبناني عشية التمديد ثلاث سنوات إضافية لرئيس الجمهورية السابق إميل لحود وبعده في خريف العام 2004، تظهر وجوه شبه عديدة بين المرحلتين ولكن يبقى الهدف من كل ما حصل سابقاً وما يحصل حالياً هو محاولة استمرار إخضاع لبنان لوصاية النظام السوري وبدعم إيراني وإن اختلف أسلوب إلقاء القبض على مفاصل السلطة السياسية هذه المرة بعد المتغيّرات التي حصلت في لبنان خلال السنوات الست الماضية.
فالكل يذكر أنه قبل حلول موعد انتهاء ولاية الرئيس السابق إميل لحود بأشهر معدودة، تصاعدت وتيرة الرفض السياسي والشعبي على نطاق واسع لكل محاولات الترويج الداخلية والسورية للتمديد، وكان يستحيل حصول التمديد لرئيس الجمهورية السابق لفترة ثلاث سنوات إضافية بالوسائل الديمقراطية بعد أن انقلب العديد من النواب الذين كانوا يسيرون في ركب النظام الأمني السوري – اللبناني وأصبح من المستحيل القيام بالتعديل الدستوري المطلوب لحصول التمديد المطلوب بعد ذلك، مما تطلب تدخل الرئيس السوري بشار الأسد مباشرة في تلك المرحلة لفرض التمديد بقوة النفوذ السوري السائد في لبنان، ثم استتبعت خطوة التمديد القسري بتشكيل حكومة جديدة مفروضة قسراً وتفتقر الى التمثيل الشعبي ايضاً برئاسة عمر كرامي خلفاً لحكومة الرئيس رفيق الحريري الذي كان أيد التمديد مكرهاً وهو ما ادى الى زيادة الاحتقان السياسي والرفض الشعبي وانعدام الثقة كلياً بين السلطة السياسية والشعب اللبناني وادخال لبنان في مرحلة خطيرة وغير مستقرة انتهت الى تنفيذ اسلوب الاغتيالات السياسية لكبح جماح الرافضين لاستمرار اسلوب الهيمنة والوصاية المتواصل على لبنان واخافة اللبنانيين وادخلت لبنان في حالة من عدم الاستقرار السياسي والامني ما يزال قائماً حتى اليوم.
وما يحصل اليوم لا يختلف عما حصل في السابق إلا بتبدل اسلوب التنفيذ وادواته لتغيير الظروف والوقائع بعد انسحاب الجيش السوري واجهزته في ربيع العام 2005 بفعل الرفض الشعبي اللبناني لاستمرار وجوده.
فبعد اشهر من الأخذ والرد لأجل تطبيع العلاقة بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية المستقيلة سعد الحريري والقيادة السورية لتجاوز كل سلبيات المرحلة السابقة، لم تفلح الجهود المبذولة بوساطة سعودية كما هو معروف من الجميع في نقل هذه العلاقة الى مرحلة جديدة متقدمة بالرغم من الزيارات العديدة واللقاءات التي تمت بين الرئيس السوري والرئيس سعد الحريري الذي فوجئ قبل القيام بزيارته الاولى لدمشق بصدور عشرات مذكرات التوقيف السورية بحق كبار الموظفين والقادة والمسؤولين الامنيين والمستشارين والمساعدين المحسوبين عليه تحت يافطة "شهود الزور" المختلفة، وكان الهدف السوري واضحاً من هذه الخطوة وهو محاولة ابتزاز الرئيس الحريري وحمله على التنازل عن المحكمة الدولية والتنكر لها وقطع كل صلات لبنان الرسمية بها.
ولما لم يتحقق هذا الهدف باللقاءات الثنائية وبالايحاءات السياسية لاتباع النظام السوري في لبنان، وبعد فشل مسعى الوساطة السعودية لتنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل اليه لحل الازمة القائمة بين النظام السوري و"حزب الله" من جهة والرئيس الحريري من جهة ثانية، بفعل المعارضة الايرانية المكشوفة لهذا الاتفاق الذي يخلص الى تنظيم مؤتمر مصالحة شامل بين كل الاطراف والفئات السياسيين اللبنانيين في الرياض، تحرك النظام السوري علناً واستدعى ممثلين عن "حزب الله" وسائر الاطراف الدائرين في فلك التحالف السوري – الايراني الى دمشق لاسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري اثناء وجوده في الولايات المتحدة الاميركية واستعمل كل ضغوطاته المباشرة وغير المباشرة لتبديل موازين القوى السياسية وباستغلال مكشوف لسلاح "حزب الله" هذه المرة ايضاً وفرض واقع سياسي جديد بالاساليب "الديمقراطية المموّهة لمنع ايصال الرئيس الحريري الى سدة رئاسة الحكومة من جديد ومحاولة تشكيل حكومة جديدة من لون واحد تلتزم بشكل غير معلن تنفيذ برنامج إسقاط المحكمة الدولية أولاً، ثم الإنقضاض على المرحلة السياسية التي تلت الإنسحاب العسكري السوري من لبنان والسعي لتكريس وصاية النظام السوري بشكل غير مباشر على الواقع السياسي اللبناني وتوفير كل مستلزمات إستيلاد واقع سياسي جديد يوفر غطاء الإستمرارية لهذه الوصاية المقنّعة.
فكل الأوصاف "الديمقراطية" على لسان السياسيين المتحالفين مع سوريا وإيران لتبرير إسقاط حكومة الوحدة الوطنية والتهيئة لتشكيل حكومة جديدة لا تتطابق مع ممارسات الاستدعاء السورية ولجوء "حزب الله" لإستعمال سلاحه في الداخل لتبديل موازين القوى السياسية لصالحه، وما يجري اليوم لفرض حكومة "أمر واقع" بالأساليب القسرية المفروضة بالقوة والضغط يذكر اللبنانيين ما قام به النظام السوري عشية التمديد لرئيس الجمهورية السابق اميل لحود ويضع لبنان في مرحلة خطيرة من التجاذب السياسي الذي قد يؤدي الى تداعيات خطيرة إذا لم يتم تداركه قبل فوات الأوان.
ولا بد على الرئيس المكلف أن يأخذ هذه الوقائع السائدة حالياً بعين الإعتبار والتي يبدو أن النظام السوري يحاول إعادة تكرار التجربة السابقة التي أسقطها الشعب اللبناني بتكلفة باهظة لأن هذا النظام يبدو أنه غير مقتنع أنه انسحب من لبنان ويحاول الرجوع اليه بأسلوب جديد هذه المرة بالرغم من رفض معظم اللبنانيين لهذه العودة وللتطورات التي تسير في إتجاه معاكس في المنطقة كلها.