#adsense

مسيحيون… بلا حدود

حجم الخط

مسيحيون… بلا حدود

لم يكن المسيحيون يوماً في حاجة الى إبراز دورهم ومعنى وجودهم المتأصل والضامن للصيغة اللبنانية والكيان المستقل للجمهورية والدولة والنظام مثلما جسده ذلك المشهد امس في وسط بيروت. يوم مسيحي مفعم بالروحانيات وبرمز ديني جديد حملته سيرته الاجتماعية والانسانية الفذة شفيعا للفقراء والبؤساء من دون تمييز طائفي او طبقي الى سدة القداسة، ليعلي امام مسيحيي هذا الزمن معنى وجودهم الراهن وسط متغيراته الخطيرة الداهمة على الصيغة والكيان والنظام.

ولعلها حقيقة قاسية ومُرة ان يغدو المسيحيون كل عقد او اكثر في حاجة الى بابا يزورهم، كما فعل البابا التاريخي الراحل يوحنا بولس الثاني، او قديس تعلن قداسته من بينهم، لكي تحدث صدمة الحدث الكبير بمعناها الديني والروحاني والرمزي ذلك الاثر الواقعي في رفع المسيحيين من حضيض التدهور والتقهقر الى مستوى كنيستهم ومعنى حضورهم الفعال ودورهم الذي لا معنى للبنان من دونه، والذي يشهد لهم به كل العالم، والعالم الاسلامي تحديدا قبل المسيحي.

شاهد المسيحيون وشهدوا في الحقبة الاخيرة محطتين زمنية وروحية اثبتتا ان مسيحيي لبنان هم مسيحيون بلا حدود، عابرون لكل الاختناقات والحدود السياسية الضيقة التي اسروا انفسهم في اسوارها. "صوت" العالم العربي المسلم لرئيس جمهوريتهم قبل ان يصوت له نواب لبنان وقواه السياسية قبل شهر. واصطفى البابا بينيديكتوس السادس عشر لبنان اول بلد متعدد الطائفة ورمزا للحضور المسيحي القوي الفعال لإعلان طوباويا في ارضه ووطنه.

وشهد وسط بيروت امس الظاهرة الاخرى "المختلفة" عن كل المشاهد المليونية التي تعاقبت عليه منذ اكثر من ثلاثة اعوام.
فيض من مسيحيين امام اعين العالم يغمرون وسط العاصمة الجريح والمثقل بكل التجارب الدموية وصولا الى التمزق بفحيح فتنة مذهبية يحمل الى العاصمة وسائر اصقاع لبنان معنى مختلفا لمسيحي قادر بقوة "التواضع" الذي تحدث عنه سيد بكركي، والرمز الحقيقي الصامد عند كل الرياح التي هبت على الكنيسة ودورها، على الاقلاع مجددا بالدور المطلوب من المسيحيين بين شركائه.

رمزيات كبيرة قد يكون كثر من المسيحيين فاتهم انهم امعنوا في العبث بها وتجاوزوها بل وكادوا يمزقونها في كل مرة كان مسيحيون يسقطون في حفرة التجهيل والاستتباع والجنوح، فضلا عن تقويض دور ينتظر سائر الشركاء اللبنانيين من المسيحيين ان يضطلعوا به الآن تحديدا لصوغ المعنى التاريخي لمسيحيي لبنان على طراز "كبار" يبحث عنهم المسيحيون ويفتقدونهم.

فيض مسيحي برسالة حضارية يبدد عبق الشرور والفتن، يحط في وسط بيروت بصورة طوباوية بسيط متواضع عابر للطوائف نذر حياته لرئاسة اجتماعية انسانية فذة، فيما كل السياسات ترزح تحت الضحالة والتفاهة والجفاف وفقر القامات والكبار. هؤلاء هم المسيحيون ان ارادوا الا يمر يوم بيروت المشهود امس كمحطة اعتزاز فقط كما مر سواها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل