#adsense

سيدنا بشارة الراعي

حجم الخط

كان "الراعي" منذ زمن بعيد، تحديدا منذ 44 عاما عندما سيم كاهنا في الثالث من ايلول 1967، ربما قبل ذلك، اي عندما دخل الرهبانية المارونية في تشرين الثاني من عام 1957.
لكنه كان صوت "البشارة" دائما. البشارة التي اختصرها امس بعدما صار في مجد لبنان الذي اعطي له او بالاحرى بعدما صار مجد لبنان عنده وفيه، وقد انتخب بطريركا للكنيسة المارونية خلفا للكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، تلك البشارة كانت بسيطة وعميقة: "ارجو ان يحافظ الجميع على محبة لبنان".

سيدنا بشارة الراعي، الصارخ بحق الوطن وروح الايمان وشفافية المحبة وطهر التجرد ودور الكنيسة ورسالة لبنان، على امتداد اعوام كثيرة، عرفت "برّيات" كثيرة في هذا الوطن المعذب الذي يفيض بـ"الخراف" المتناحرة او المذعورة، وتملأه الصلبان والمسامير ومقابر الشهداء في كل شبر من ارضه، كما يختال فيه فريسيون ظنوا انهم قديسون او ملائكة، لكن قلما تتدلى من جذوع التين اعناق اليهوذيين، رغم ان الفضة كثيرة في جيوب الكثيرين ممن نبتت لهم اجنحة الملائكة!

قلما تجد قلبا او عقلا في لبنان، عند مسيحييه وكثير من اخوتهم المسلمين، لا يحفظ او يستذكر صوت بشارة الراعي. حامل البشارة الوطنية والحريص على دور الراعي في الرعية. صوته المحبوب دائما بحماستين، حماسة الايمان وحرارة الصدق والتماع الجرأة. فالكلمة عندما يجب ان تقال، يجب ان تقال كما هي… مباشرة وصادقة ولا حاجة الى الاستدراك والتلاوين.

❒ ❒ ❒

هكذا عرفته دائما. وهكذا احببته دائما وهكذا أجلّه الآن، وقد بدأ امس سدته بصلاة شكر وصف فيها البطريرك صفير بـ"البطريرك الدائم والاب الدائم" متعهدا "المحافظة على تركتك" ومتمنيا التزام ما تركت لنا من الصبر والصلاة واللطف والمحبة والثبات والاتكال على العناية الالهية… لقد حملت صليب لبنان وعلمتنا كيف نحمله على اكتافنا وفي قلوبنا".
طبعا كان الكاردينال صفير واقفا هناك، راضيا مرضيا، فهذا هو بطريرك لبنان الذي به قد سررت!

واذا كان من المعروف ان سيدنا الراعي يتميز بانفتاحه ونقاشاته الشفافة والموضوعية، التي لا تخلو عادة من حماسة الصدق وقول الحق، فإن الاجماع من حوله بدأ قبل ان يصبح بطريركا له جرأة واضحة في المواقف الوطنية وسعي معروف الى اضفاء طابع الحداثة والمأسسة على الكنيسة المارونية. ولهذا نُظر اليه دائما على انه من اهم اعمدة هذه الكنيسة.

❒ ❒ ❒

قبل عامين قال الراعي ان من المستحيل ان يستمر اللبنانيون في الانقسامات والصراعات والتخوين. ان هذا الامر يمثل مأساة وطنية واجتماعية تجعلنا في حاجة ملحة الى روح الرحمة والمحبة، على الاقل لان "عظمة المسيحية ان تكون قريبا من كل انسان".

ولكن لا المسيحيون في لبنان متقاربين، ولا الطوائف الاخرى متقاربة، وخصوصا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المنطقة. وقد سبق للراعي منذ عامين ان قال:
"يجب ان نقارب التسويات والمتغيرات في المنطقة من منظار لبنان وشعبه ككل. لا من منظار هذه الطائفة او تلك. فإما ان تكون على حساب لبنان وشعبه واما لا تكون. ونحن نؤمن بأن لبنان بطوائفه كلها، جسم واحد لا يقبل الاجتزاء. وكل اللبنانيين في مركب واحد اما أن يصل بهم الى مرفأ السلام واما ان يغرق بهم جميعا".

❒ ❒ ❒

واذا كان من المعروف ان الراعي لوّح بالحرم الكبير في وجه المسيحيين الذين وجهوا الاساءات الى البطريرك صفير ووصفهم بأنهم "كانوا مثل الدبابير وكأنهم مأجورون ومدفوعون لهذه الاساءة"، فليس سرا انه دعا الى تغليب الاخوة والحوار والوحدة الوطنية عندما قال: ضعوا بدل روما والقسطنطينية 14 آذار و8 آذار فتصبح النتيجة ذاتها مثلما تمزقت الكنيسة يتمزق لبنان… ارجو ان نخرج من ثقافة التهديد. كلنا في حاجة الى 14 و8 آذار. ثقافتنا انا وانت. لا انا او لا انت. ثقافتنا ان نبني الوحدة معا وبجسم واحد".

ليس سرا ايضا انه كرر دائما ان سلاح "حزب الله" يجب ان يكون خاضعا لقرار الحكومة. وغالبا ما قال ان القرار الموحد للسلاح يعيد للدولة سيادتها واستقلالها. وان الحكومة التي يجب ان تقرر قرار السلم والحرب، مؤكدا ضرورة خضوع "حزب الله" ايضا للقرار الحكومي سياسيا وديبلوماسيا.

يملك البطريرك الجديد حضورا كاريسميا حمل صوته وحضوره الى اطراف لبنان والى مغتربيه ايضا، وهو منذ اللحظة الاولى حرص على القول انه يحمل ايضا مثل الكاردينال صفير همّ لبنان وصليبه ويتعهد المحافظة عليه سيدا حرا مستقلا من اجل كل ابنائه مسيحيين ومسلمين، وهذا مبدأ لن يحيد عنه.

ويا سيدنا حراسة مجد لبنان تستدعي منك الآن مزيدا من الحكمة والجرأة والحلم والدراية واللطف والعناد ايضا والثبات والاتكال على العناية الالهية التي لن تكون بعيدة عنك!

المصدر:
النهار

خبر عاجل