#adsense

بشارة الراعي.. بطريرك بملامح ثوريّة في لحظة ثورية مارونياً ولبنانياً وعربياً

حجم الخط

اعتلاء رئيس أساقفة جبيل المطران بشارة الرّاعي سدّة الكرسيّ البطريركيّ الأنطاكيّ لا يمكن وصفه فقط بالحدث التاريخيّ في حياة الجماعة المارونيّة وفي مسيرة الكيان الميثاقيّ النهائيّ الإسلاميّ – المسيحيّ. إنّه قبل كلّ شيء حدث ثوريّ، أي جزء من "الثورة الكاثوليكية المحافظة والتجديدية في آن" التي يقودها ويرمز إليها البابا بنديكتوس السادس عشر.

وتختلط ثوريّة الحدث هنا، مع الحضور الكاريزماتيّ الذي عوّدنا عليه مار بشارة بطرس الراعي، قبل أن يصبح البطريرك السابع والسبعين للكنيسة السريانية الأنطاكية المارونية، فكانت له مواقف جريئة أحبطت اغتيال الوعي الحضاريّ المشرقيّ من طريق المسلسل التلفزيونيّ الأيديولوجيّ الإيرانيّ في الصيف الفائت وأنذرت في حادثة أخرى بالحرم الكنسيّ الكبير على من تفرعنَ وجَحَد. وأعتمدت مواقف الراعي دائماً معياراً محدّداً لمداخلاتها في الشأن السياسيّ اللبنانيّ هو مبدأ التعدّدية ضمن الوحدة، وتطبيقه في كلّ مسألة تُطرح، وهو ألا تهيمن فئة على أخرى، لا بسلاح ولا بعدد، وأن يكون العدل والإنصاف بين الجماعات اللبنانية هو المدخل إلى قيام الدولة المدنية الحديثة على أساس المساواة بين اللبنانيين سواء على مستوى الأفراد أم على مستوى الجماعة.

إلا أنّ ما يجذّر معنى الثوريّة في الحدث الكنسيّ التاريخيّ هو أنّ بطريركاً جديداً للأرز يأتي لمواصلة المسيرة الاستثنائية للبطريرك الدائم مار نصرالله بطرس صفير، بطريرك الاستقلال اللبنانيّ الثاني والوحدة الوطنية الإسلامية المسيحية والدفاع عن نهائية وعروبة الكيان في مواجهة نظام الهيمنة الفئوية المسلّحة.

فبقدر غبطة الموارنة في لبنان والمهجر، وفرحة الاستقلاليين اللبنانيين مسلمين ومسيحيين بالبطريرك الجديد، لنا أن نتوقع تعاسة من ظلوا يدبجون فوق أوراقهم الصفراء حتى صباح أمس بأنّه لا حظوظ إلا "قليلة جداً جداً" للمطران بشارة الراعي لاعتلاء سدّة الكرسيّ البطريركيّ. هؤلاء طبعاً، هم الذين أصيبوا قبل ذلك بخيبات عديدة على يد الراعي، كانت أهمّها خيبتهم في محاولة تمرير المسلسل التلفزيونيّ الأيديولوجيّ المستهدف للتعايش الإسلاميّ المسيحيّ، أو في محاولة تمرير إلغاء مذهبيّ مسلّح للتعدّدية اللبنانية تحت ستار إلغاء الطائفية السياسية.

بهذا المعنى يمكن الاستبشار بأنّ لحظة اعتلاء بشّارة الراعيّ للسدّة البطريركيّة تتواءم بشكل كبير مع لحظة صناعة اللبنانيين لاستقلالهم الثالث، وهو الأصعب، كونه يهدف، ومن وراء إحباط آخر مشروع هيمنيّ مسلّح في لبنان، ليس إلى العودة إلى دوّامات مشاريع هيمنية تنافس بعضها، وإنّما إلى بلد خالٍ ليس فقط من السلاح اللاشرعيّ، إنّما وقبل كلّ شيء من منطق الهيمنة، ومن مشاريع الهيمنة، الفئوية والكيديّة المسؤولة عن تبديد المضادات السيادية للدولة اللبنانية وتقسيم اللبنانيين بين مناطق نفوذ إقليمية.

وإذا كانت قوى 14 آذار هي اليوم في طليعة من يتصدّى لنظام الهيمنة الفئوية المسلّحة، إلا أنّه وللتقدّم بشكل نوعي على طريق إحباط هكذا نظام لا بدّ من صياغة تصوّر جديد للبنان جديد، مدنيّ وتعدّدي وديموقراطيّ، تحترم فيه كل فئة لبنانية الفئة الأخرى، ويحترم فيه الجميع مركزية الاختلاف الخلاق، وتُبنى فيه الدولة اللبنانية لا على مركزية المحاصصة إنّما على مركزية الاختلاف، وبالدرجة الأولى مركزية الثنائية الإسلامية – المسيحية الصانعة لاستثنائية الكيان اللبنانيّ، ولراهنية هذه الاستثنائية في هذه المرحلة الصعبة من التاريخ والمثقلة بتصادم الحضارات أو بانفجار الحضارة الواحدة بين حروب دينية داخلية وبين سياسات هوية ثقافية وإثنية لا حصر لها.

وإذا كان الشعار السياسيّ لقوى 14 آذار بات يقترب أكثر من كلّ وقت آخر من مقارعة نظام الهيمنة الفئوية المسلّحة بحدّ ذاته، إلا أنّ التصوّر اللبنانيّ الجديد ما زال في إرهاصاته الأولى، وفي هذه اللحظة المفصلية بالذات يأتي بطريرك جديد للموارنة، بطموح تجديديّ حيويّ داخل المؤسسة الكنسية، وبعمق لاهوتيّ يمكن تلمّسه من عظاته وتعاليمه، وبتماس ذاتيّ مع عالم السياسة.

بهذا المعنى، سيكون لبطريرك الأرز الجديد دور طليعيّ في صياغة هذا التصوّر اللبنانيّ الجديد الذي سينتج في نهاية المطاف حلاً جذرياً للأزمة اللبنانية، أزمة المشاريع الفئوية المتناحرة ثم المتعاقبة، ثم أزمة المشروع الهيمنيّ الفئويّ الخطير، المسلّح والمؤدلج والمرتبط بطموحات إمبراطورية تستهدف تغيير المعالم الوراثية للفسيسفاء الدينية والإثنية في هذه المنطقة، بالاستفادة طبعاً من تعثّرات النظم العربية سواء لناحية عيش الاختلاف، أو لناحية إيجاد المقدّمات الموضوعيّة لفكرة الدولة الوطنيّة المدنية الحديثة.

وفي هذا الإطار من الواضح أنّ الراعي لا يفصل نظرته إلى المسألة اللبنانية عن نظرته إلى الإقليم ككل وأوضاعه، تماماً مثلما هو يمثّل خطوة متقدّمة على طريق ربط المسألة المارونية بالمسألة الإجماليّة لمسيحيي الشرق.

وقبل شهر ونصف الشهر كانّ للراعي موقف رحّب فيه بـ"استفاقة العالم العربيّ" محذّراً في الوقت نفسه من "الانزلاق إلى التفتيت" ومشدّداً على أنّ "هذه الحركة الكبيرة في الشرق الأوسط بحاجة إلى وعي وإدراك"، ومبدياً ملامح تصوّره للطريقة التي ينبغي من خلالها للبنان أن "يتعلّم مما يحصل في العالم العربي".

إذاً، كلّ شيء يوحي بأنّنا أمام بطريرك صاحب ملامح ثوريّة.. وفي لحظة يمكن وصفها بالثورية.. سواء بالنسبة إلى الطائفة المارونية أو بالنسبة إلى مصير لبنان أو بالنسبة إلى مصير المنطقة.. وهذه الثورية تعني مثلما أوضح البطريرك الراعي مواصلة عملية اليقظة مارونياً ولبنانياً وعربياً مع مجانبة الانزلاق إلى التفتيت.. أيضاً مارونياً ولبنانياً وعربياً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل