مرة جديدة تبدو "ويكيليكس" اختصاراً للزمن والأشخاص، وبديلاً أخّاذاً من مسارات قانونية وقضائية وتاريخية طويلة ومتعبة!
برقية واحدة تلغي سنوات من الجدل والنقاش والتراشق الإعلامي والسياسي، وتستبدل في سطور عدة مطوّلات لا تقنع أحداً طالما أنها آتية أصلاً من انقسام لا تعوزه إضافات.
أحكام كثيرة أطلقت من دون قدرة لأحد، لا على الرد ولا على الإقناع ولا على المجادلة بالتي هي أصدق، ولا على المرافعة أمام محاكم مدنية أو عسكرية، كما لا قدرة لأحد على إقناع من لا يريد الاقتناع أو تصديق ما يرفض مقامه السياسي أو الفكري أن يصدّقه حتى لو كان من نوع ضوء الشمس في ظهيرة يوم من آب!
لكن برقية واحدة مصنّفة أنها سرية ويفترض أن تبقى كذلك حتى إشعار آخر يأتي بعد سنوات طويلة.. برقية واحدة كانت كافية لإلغاء تلك الأحكام وإبراز نتائج معاكسة تبدو ذات صدقية لا تُجادل!
متعبٌ ومحرج كشف المستور، خصوصاً إذا كان من النوع السياسي المألوف والمعروف وغير المعلن.. لكنه تعب جميل في حالة "ويكيليكس" وأجمل تحديداً في حالة محدّدة اسمها أداء الرئيس فؤاد السنيورة وحكومته في خلال حرب تموز 2006، كما في أداء بعض قادة 14 آذار ثم بعض حلفاء "حزب الله" في "التيار الوطني الحر"!
في حالة السنيورة، لا يخطر بالبال فوراً إلا وجوب تقديم أهل الممانعة والمناتعة اعتذاراً واضحاً وجريئاً، شفافاً أو سميكاً من الرجل، عن كل الإساءات والافتراءات والإسقاطات والتجنيّات والتزويرات الفاضحات التي لحقت به على مدى السنوات الأربع الماضية في شأن مواقفه خلال تلك الحرب..
لم ينفع سابقاً التذكير بالوصف الذي أطلقه الرئيس نبيه بري على حكومة "المقاومة السياسية"، كما لم تنفع كل محاولات التوضيح والتصحيح والتصريح.. كما لم ينفع أي شيء يتعلق بمكارم الأخلاق في لجم آلة التزوير والتجنّي ووقفها عند حدّها.. الى أن جاءت بالأمس "ويكيليكس" واختصرت كل بيان، وكشفت كل مستور، وأعادت إنصاف الرجل وأدائه، ورفعت الضيم والحيف والظلم الذي أُنزل به كيداً وكذباً وما الى ذلك من أراجيف كانت متروكة للزمن وحده كي يمحوها!
في الحالات الأخرى، لم تكشف الوثائق إلا ما كان معلوماً.. ومن ضمن ذلك المعلوم هو أن ما كان يحكيه بعض قياديي النائب ميشال عون في غرف مغلقة لا يختلف، في رأيي وإيماني ووجداني وضميري، عن حقيقة آراء و"مشاعر" عون نفسه.. على أمل أن تأتي "ويكيليكس"، أي "ويكيليكس"، في وقت قريب بما يؤكد ذلك، علماً أن حلفاء عون اليوم لا يحتاجون الى شيء يؤكد لهم ذوات الصدور التي يعرفونها جيداً.. وتفرض ضرورات المرحلة أن يكبتوها في ذوات صدورهم أيضاً.
شكراً "ويكيليكس". نعيماً أهل الممانعة.. والسلام.