#adsense

لا بد من قراءة رسائل الشعب

حجم الخط

تتوالى الرسائل الشعبية في اتجاه كل من يعنيهم الامر، ولا سيما نجيب ميقاتي. فبعد مليونية 13 آذار الاخيرة، كانت أمس رسالة معبرة من مسقط ميقاتي، طرابلس التي اعادت التشديد خلال مهرجان سعد الحريري في معرض رشيد كرامي الدولي على موقف حاسم من وصاية السلاح على الحياة اللبنانية الداخلية. فكانت "لأ" مدوية رافضة لان يكون السلاح هو محدد الحياة السياسية، وصانع المواقع، وخصوصا موقع الرئاسة الثالثة ومعها كل الرئاسات والمواقع والخيارات. وبدءا من الغد تكون لسائر بلدات وقرى عكار كلمتها في السلاح الذي يكاد يقضي على ما تبقى من معنى لبنان وكيانه ونظامه وتوازناته، والحياة المشتركة فيه.

ليس العيب في تداول السلطة الطبيعي، ولا في الطموحات الشخصية مهما جمحت، ولا في ان تتغير الخيارات السياسية. ولكن العيب ان يأتي احدهم الى السلطة محمولا ببنادق الميليشيا المسلحة الفئوية، فيزعم انه آت في اطار ديموقراطي قوامه تداول السلطة الطبيعي، والعيب كل العيب ان يخترع آخرون الاعذار لسيطرة السلاح على الحياة اللبنانية بشكل عام من خلال خطاب "غاندي النزعة" ما عاد يقيم وزنا للحق في حمأة الاستسلام المريع امام منطق القوة والغزوات.

لقد علمنا كبار هذا الوطن من الشهيد الاول كمال جنبلاط، الى الامام المغيب موسى الصدر، فكبير الشهداء رفيق الحريري ان الاستسلام امام الخوف مآله تدمير الانسان من الداخل، وانه لا بد من الوقوف وقفة عز ووقفة حق. هكذا ايضا سار ملايين اللبنانيين خلف اول قادة الاستقلال الثاني وليد جنبلاط يوم ما كان في الساحة سواه ليرفعوا الصوت ضد "جنجويد" الداخل، وليقولوا لا للقتل، ولا للوصاية، ولا للظلم والعبودية. فإذا بنا اليوم نرى تحالفا جهنميا يسعي الى فرض وصايتين، الاولى داخلية بالقهر والقوة، والثانية خارجية تتسلق الاولى محاولة تعويض "ملك ضائع".

قبل نحو شهرين كان اسقاط حكومة ووضع فيتو مسلح بالقمصان السود على رئيس الحكومة الطبيعي، ثم تكليف شخصية لبنانية طموحة خطأها انها استعجلت الشيء قبل اوانه، فجاء تكليفها تغطية لوصاية السلاح من جهة، ولسياسة شطب العدالة من جهة اخرى. ومهما قيل في ان الطموح الشخصي ما كان الحافز الحقيقي لقبول التكليف وان هم انقاذ لبنان من فتنة كان هو المحفز الاول والاخير، فإننا نقول ان الفتنة كل الفتنة كانت في القبول بدور الواجهة لفريق ما فتئ منذ سنوات يمثل في اذهان ملايين اللبنانيين، ولا سيما بيئة الرئيس المكلف مصدر التهديد الاول لوجودهم ومستقبلهم. وقد اتت رسالة 13 آذار لتظهر الحقيقة، ولتثبت ان غالبية لبنانية كبرى لم تخرج على الوصاية الاحتلالية السابقة في آذار 2005، لكي تعود وتقبل في 2001 بالوصايتين مجدداً.

هذا ما ينبغي على نجيب ميقاتي ان يعيه تماما. فبصرف النظر عن جهوده لتشكيل حكومة، وايا تكن تركيبتها، فإنه مدعو لان يفتح عقله امام المعطى الذي يرتسم امامه: انه منقوص الشرعية. نصف لبنان وما يزيد يرى في تكليفه وفي اي حكومة يشكلها تحديا لارادة شعبية كبرى في البلد. ومتى تشكلت الحكومة (اذا تشكلت) ستكون في اعين نصف لبنان وما يزيد حكومة وصاية السلاح، وفي نظر العالم حكومة مطلوبين للعدالة. وهنا لا فرق بين ان يكون المرء تكنوقراطيا، او سياسيا. فالتكنوقراطي الذي يأتي للتغطية على وصاية السلاح ونقض العدالة يكون في النهاية جزءا من منظومة واحدة. فحذار ان يتوهم احد ان الشعب سيتعامل مع حكومة تكنوقراط بأقل مما سيتعامل مع حكومة سياسيين. انهما وجهان لعملة واحدة، باعتبار ان الاساس واحد.

لا بد لكل الاطراف من ان تعيد حساباتها جيدا. ولا بد لمن استعجلوا الامر ان يقرأوا جيدا في رسائل الشعب. فإن وصاية السلاح لن تمر.
و في النهاية لا بد من العودة يوماً الى طاولة الحوار على قاعدة اعتراف الطرف المسلح بأنه يجب البحث جديا في هذا السلاح بكل وجوهه لوضع حد نهائي للتهديد الذي يمثله في الحياة اللبنانية الداخلية، وتثبيت سياسة دفاعية وطنية جامعة تكون فيها للدولة، راعية الكل بالعدل والتساوي، الكلمة الاولى والاخيرة في قضية الحرب والسلم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل