#adsense

مفهوم الدولة في قاموس القوّات

حجم الخط

 

في خِضَمِّ مرحلةٍ يسكنُها الخوفُ على الغَد، بمفاجآتِه التي يفكُّ كيسَها المسؤولونَ البَلايا، وفي مسارِ أيامٍ يضطجعُ في خفاياه الشّوكُ بأَهوالِه، استفاقَ الحقدُ في بعضِ الخارجينَ من صفحاتِ “كليلة ودمنة”، وأمسكَ بعضُ النشّائينَ على رأسِ دَبكةِ الأراجيز، وقد تملَّكَ الشُّحوبُ جماجمَهم، ليوَفّوا التَّحريفَ والدسَّ ما لهما من كَذِبِهم والتَجَنّي، مُتَلَهّينَ بالرَّخيصِ من التّفاهاتِ، مُعرِضينَ عن مسألةِ وجودِ الوطنِ، واستمرارِه، ليؤكِّدوا على ما قصدَ إليهِ الإِغريقُ عندما وصفوا الرَّجاء، من أنّه نذيرُ شؤمٍ يقودُ الى التَّعاسةِ على الإطلاق، وبذلك، يُسَودِنُ هؤلاءِ التّاعِسونَ قلوبَ النّاسِ بأكثرَ مِمّا هي عليهِ من سوداويّة.

الرنَّةَ الناشزةَ في ضجيجِ هؤلاءِ، لن تشوِّهَ صورةَ مَن تبنَّوا الطَّرحَ الصّحيحَ المُفضيَ الى بناءِ عصرٍ من دونِ التِباسات، وطنيِّ الهوى واللَّون، كبيرِ الحظوظِ في دَرءِ أيِّ عَبَثٍ وأيِّ كابوس. والطّرحُ، في خطوطه العريضة، ليس سوى هزَّةٍ لفَكِّ أَسر مفهومِ الدولةِ من أولئكَ الذين كانت، ولمّا تزل، أهدافُ مؤامراتِهم ترسيخَ حالةِ اللّادولة، أو الدولةِ البديلة التي لا تَمتُّ بأيّةِ صِلةٍ الى قناعةِ الأصيلينَ من المؤمنينَ بهذا الوطنِ، والذين ليسوا بحاجة الى إيقاظِ ضميرهم الوطنيِّ الذي لم يكن، يوماً، مُصاباً بالخُمود.
إنّ الدولةَ الحديثةَ، كما حدَّدَ مفهومَها القاموسُ السياسيّ العالميّ، وتَبَنَّته استراتيجيةُ القوّاتِ اللبنانية، مع أكثرِ اللبنانيّين، هي مجموعةُ المؤسّساتِ المُكَلَّفةُ تَدبيرَ الشأنِ العام للمجتمع، بما يضمنُ حقوقَ المواطنين، وذلك ضمنَ تَعاقُدٍ إراديٍّ حرٍّ يُفضي، حُكماً، الى الحالةِ المدنيّة. لا سيّما أنّنا، منذ نشوءِ لبنانَ وحتى السّاعة، نعيشُ حالةَ الفطرة، أي تَجَمُّعَ بَشَرٍ بلا دولة، أحاطَ اللَّبسُ بعلاقاتِهم، واتَّسمَت حياتُهم بصراعاتٍ مستمرّةٍ جعلَت شريعةَ الغابِ تفرضُ أنّ الحقَّ للقوّة. وهذا، بالذات، ما تبيَّنَ في صُلبِ حِراكِ “المشبوهين” وأدعيائِهم، لإضعافِ النّسيجِ الوطنيِّ فيتسنى لهم الانقضاض على مقاليدِ الحكمِ، وامتلاك السلطةِ، ما يُقفِلُ على لبنانَ أبوابَه على ضياءِ الشمس.

أمامَ الخطر الداهم في الطّرحِ المُستَورَدِ الذي يعني إنهيارَبُنى الدولةِ الموجودة، وتَشليعَ الكيانِ ذي السيادة، وبالتالي، إقامةَ المشروعِ الاثني الذي يعيدنا الى زمن ِالخلافة، تتبنّى القواتُ اللبنانيةُ البُنيةَ الموضوعيّةَ الوطنيّةَ التي ليسَت لَغزاً، إنّما هي ارتقابٌ مُزَيَّنٌ بالأمل، أو سهمٌ يحدِّدٌ الاتجاه الواحدَ الموصِلَ الى التَّماهي مع الوطن. فالدولةُ التي هي الضمانُ الأَوحدُ ضدَّ الفوضى، وإلغاءِ الآخر، وضدَّ الأنارشيّةِ التي بِلا ضَوابط، هي الشخصيةُ الحقوقيّةُ المعنويّةُ التي تفرضُ سيادتَها على مساحةِ الوطن، وتنبثقُ عنها السّلطات التي تدير مؤسَّساتِها، ما يؤمِّنُ حمايةً للناس وضمانة لحقوقهم. والدولةُ، في طرحِ القوّاتِ، حالةُ تعبيرٍ عن سُمُوِّ الفردِ ليرتقيَ من الأنانيّةِ الى الغَيريّةِ أو الوَعيِ الجَماعيّ، والامتثال للقوانينِ بدلاً من الخضوعِ للقويِّ المُتَسَلِّط. من هنا، تتجلّى صورةُ الدولةِ ككيانٍ سياسيٍّ ناظِمٍ للتّشكيلاتِ الاجتماعية، والجهةِ التي تعتمدُ أجهزةً مسؤولةً عن الاستقرار والأمانِ، وعن إدارةِ المصالحِ المشتركةِ للمجتمع، ما يضمنُ خيرَه العام.
أما خاصيّةُ الدولةِ الأساسيةُ التي تؤمن بها القواتُ اللبنانية، فهي ممارسةُ السيادة، فهي صاحبة القوةِ العليا غيرِ المقيَدةِ فوقَ خارطةِ الوطن، والتي تعلو فوقَ أيّةِ تنظيماتٍ أو جماعاتٍ أو مُكَوِّناتٍ موجودةٍ داخلَ هذه الخارطة. كما أنَ أجهزتها هي المرجعيةُ الوحيدةُ المسؤولة عن صياغةِ القراراتِ العامةِ، وتنفيذِها، وفي أوّلِها قرارُ الحربِ والسِّلم. وهي تمتلكُ، منفردةً، قوةَ الارغام لضمان الالتزام بقوانينها وقراراتِها، على كاملِ الإقليمِ الوطنيّ، من دونِ أن تكونَ، أبداً، جهازاً قمعياً.

إستناداً الى هذا الكمِّ الموضوعيِّ في طَرحِ القواتِ اللبنانية، الذي لا بُدَّ من أن ينتج وعياً راسخاً لمفهومِ الدولةِ المُنتَظَرَة، هل يمكن أن نوصّف ما يجري راهناً، وما يَجري غيرُ بريء، إلّا مؤامرةً تهدف الى تقويضِ ما هو قائمٌ، لبلوغ ما يرتجيهِ بعضهم، وهو مشبوه، ومُدَمِّر؟

الأزمةَ الإستراتيجيّةَ الحادةَ التي يتخبط بها الوطن، تَمسّق ضيةً كيانيّةً، هي وجودُه. وهي المسألةُ الأكثرُ أهميّةً، وخَطَراً، في الإختلافِ البنيوي بينَ طرح القواتِ اللبنانية، وطرح سواها. وبكلامٍ أَوضَح، إنّ التخريب، وإِلحاقَ الضرر ِبمؤسساتِ الدولة، واضعافَ مقوّماتها، وإفراغها من مضمونها، وهذا ما يمارسه أمرُ واقعٍ أمنيّ يعملُ كدولة، ليسَت سوى تعبيرٍ صارخٍ عن نضالٍ مزيفٍ ساعٍ الى السيطرة على السلطةِ، لأهدافٍ باتَت مكشوفة. وما يدعو الى تأكيدِ هذا الإستنتاج، اقتناعُ “هؤلاءِ المُستَعمِرينَ” بأن الدولةَ لم تنشأْ ككيان اجتماعيٍّ، سياسيٍّ، إقتصاديٍّ، عسكريٍّ، مشرع قانوناً، لذلك، لا أساسَ لوجودِها كدولة ٍفعليةٍ، بالنسبةِ إليهم. وبالتالي، فالبديلُ الجاهزُ هو نموذجٌ هجينٌ لا يتناسبُ معَ التركيبةِ الوطنيةِ، ومع أسس التشارك في العيشِ الكريمِ، والحرِّ، للجميع.

إنّنا أمامَ مؤامرةٍ خطيرةٍ تستهدفُ الكيانَ، والوجودَ، والقضاءَ على ما أسمَيناهُ جنَّةً نستوطنُها، لذا، نحنُ في أسوإِ الأزمنةِ السّود، نرى وطنَنا خِرقةً كإسقاطِ جَنين، أو خربةً في جِدار، نَسِيّاً وكأنّه الأَعوامُ العِجاف… هل ننتظرُ ليُحبَسَ حتى يَيبَس ؟ أو يُتلَفَ من دونِ أن يُقرَعَ له باب؟ لقد لُطِمَ وطنُنا بما خَبُثَ من الظّلمِ والتَّرهيب، وبما فَسُدَ من مَعايِبِ حكّامِه، وذاقَ أَشنعَ أَلوانِ الجُحود، فصارَ قامةً عاريةَ العظام، لو طُرِحَت للشيطانِ لَعافَها… يا مواطِني الجريء، واجِهْ أو انتَحِرْ.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل