عودة لغة التحريض
لقد دخل لبنان عملياً في مرحلة الأمن بالتراضي، وهو الاتجاه الذي يتكرس يومياً بفعل التأخير المتمادي بتأليف الحكومة اللبنانية الجديدة من خلال إصرار بعض الأطراف على وضع الشروط التعجيزية ومن خلال إستعراض القوة الذي يحصل في مناطق مختلفة من لبنان، مرة في سعدنايل وتعلبايا، ومرة في باب التبانة وجبل محسن، وغداً لا أحد يعرف أين!
وبمعزل عن الاستهدافات السياسية للعهد الرئاسي الجديد الذي دخل شهره الثاني من دون حكومة تواكبه وتنطلق معه، فإن ما يحصل يطرح علامات إستفهام عميقة حول مصير إتفاق الدوحة، وتالياً حول مصير الاجماع المحلي والعربي والدولي الذي ناله هذا الاتفاق ولم ينفذ سوى البند الأول منه.
وبديهي القول أن الأكثرية النيابية لن تمرر التقسيمات الانتخابية في مجلس النواب ما لم يتم تشكيل الحكومة، وفق الترتيب الذي تم الاتفاق عليه في الدوحة. إلا أن هذه التفاصيل تبدو تبسيطية مع تنامي مؤشرات التصعيد في خطاب حزب الله الذي تارة يقول بأنه لن يسمح بتشكيل أي قوة عسكرية تقف في وجه المقاومة، وطوراً يرفض تولي أي مسؤول أمني مشكوك في ولاءاته إدارة أي جهاز أمني!
ماذا يستبطن هذا الكلام؟ إنه يريد القول أن أي قوة عسكرية بالمطلق سوى المقاومة ممنوع وجودها أو تطويرها حتى ولو شمل ذلك الجيش اللبناني. فالأمرة النهائية هي لحزب الله والقوة العسكرية حكر له. أما الكلام عن المسؤولين الأمنيين فهو بذاته خطير كذلك، لأنه يفترض ضمناً أن ولاءات الضباط في لبنان موزعة على القوى السياسية وهو بذلك يشكك في المؤسسات العسكرية ودورها وعملها. إلا إذا كان ذلك هو المطلوب.
فلقد حصلت تجارب سابقة سعت من خلالها بعض الأطراف لتهشيم صورة المؤسسات الأمنية والادعاء بأنها تابعة لطرف دون سواه، وهو منطق خطير يستهدف القضاء على الدور الجامع لتلك المؤسسات.
ولكن عملياً، ما الذي يبرر كل هذا التصعيد والتعطيل المتجدد؟ قد يكون موضوع الاستراتيجية الدفاعية هو لب الموضوع. ببساطة، بعض الأطراف في لبنان لا تريد الاعتراف بالدولة وهي قد حولت السلاح من وسيلة إلى هدف يحد ذاته، وهذا ما برر المنطق الغريب الذي قال: "السلاح للدفاع عن السلاح"!
إنه أحد البنود التي وردت في إتفاق الدوحة والتي أكد عليها رئيس الجمهورية ميشال سليمان في خطابه الأول للبنانيين، وعاد وأكد عليه مراراً بأنه سيكون موضع نقاش طاولة الحوار المزمع عقدها في القصر الجمهوري. هذا تفسير أيضاً إن لم يكن هو التفسير.
إزاء كل هذا التطورات، يبدو من المفيد توجيه السؤال إلى الدول العربية وعلى رأسها قطر التي بذلت جهوداً كبرى للتوصل إلى إتفاق الدوحة، ما هو رأيها في ما يحصل واين دورها في تطبيق كل بنود الاتفاق؟
أخيراً، سؤال بريء لا مفر منه: هل يتطلب فهم التعطيل المستجد في لبنان فهم التأزم المستمر في الملف النووي الايراني؟