صفعت الأحداث الإقليمية الأخيرة ذاك التبجّح الذي جعل ممانعو 8 آذار يصادرون المخاض العربيّ الراهن للإستقواء به على الحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ.
فالحدث البحريني، أثبت وبما لا يُرقى إليه الشكّ فئوية المقاومة والممانعة، بل منحاها التصديريّ للفئوية خارج الحدود اللبنانية. إنّ أي معالجة للمسألة المذهبية والإثنية في الإقليم الإيرانيّ العربيّ ستكون قاصرة إن لم تلحظ بكليّتها وشموليّتها، وإبتداء من بلوشتسان والأحواز وعربستان وصولاً إلى البحرين. كما أنّ شعار "إسقاط النظام" مذهبيّ بالضرورة عندما يطرح في البحرين، حتى لو إفترضنا أن طارحيه لا يشبهون "حزب الله"، بل حتى لو كانوا ماركسيين لينينيين! الشعار الأفضل للوضع البحريني هو "الشعب يريد إبرام العقد الإجتماعيّ". الفارق بين إسقاط النظام وبين إبرام العقد الإجتماعيّ كالفارق بين الثرى والثريا.
أمّا الحدث السوريّ، فعنى امتداد المخاض التغييري إلى كل مكان من الخارطة العربية، بحيث أنّه تجاوز الإنقسام بين المحاور الإقليميّة، وهو بالتالي لا يقيّم إستناداً إلى التمييز بين محوري ممانعة وإعتدال، وإن كان الإعتدال بالطبع، كما ظهر في النموذجين التونسيّ والمصريّ، أكثر إحتضاناً لإحتمالات التغيير، بفضل الإتجاه المدنيّ الجمهوريّ الذي رسخّته التجربة البورقيبية في النموذج التونسيّ، وبفضل قوة الإنتماء لمصر أوّلاً يضاف إليها هامش كبير من حرية الرأي في النموذج المصريّ منذ أيّام الإنفتاح الساداتيّ. وفي المقابل، يأتي الحدث الليبيّ ليذكرنا بما يمكن أن يقوم به نظام ممانع، وبما يمكن أن يكون موقف الأنظمة والحركات الممانعة الأخرى منه لاحقاً.
فبعد أن كانت هذه الحركات تتبرّأ من نظام معّمر القذافي وتدين الغرب لأنّه ترك الليبيين يُحصدون ويُذبحون من قبل زبانيته ومرتزقته دون تدخّل، أنقلبت الحال، خصوصاً بعد خطبة زعيم الحزب الحاكم الأخيرة عندنا، وصار متاحاً للممانعين الإستبسال مجدّداً في الدفاع عن نظام القذافي في وجه الإستكبار والإستعمار. كلّ هذا ومن دون ذرّة وفاء مع الجمهورية اللبنانية التي تعرّضت سفارتها لإعتداء، وهو إعتداء كان ينبغي الردّ عليه بإعلان حرب من جانب الدولة عندنا، ولو من باب "الرمزية".
أما الحدث الرابع والأهم في ضرب تبجح الممانعة فهو الإستفتاء المصري ونتيجته.
لمّا نشبت الثورة الإصلاحية المصريّة خرج علينا من يسقط كافة أحلامه الأيديولوجية، من يساروية وقومجية ونجاديّ، على إنتفاضة الشباب المصري.. هذا يخبرك عن مجالس شعبية ستنبعث من التجربة المصرية لتذكرنا بالكومونة والسوفييتات.. وذاك يخبرك عن ديموقراطية مباشرة ألغت الحاجة سلفاً إلى البرلمانية والحكم التمثيليّ، وبالتالي ليس على الشعب إلا أن ينزل إلى الميدان عند كل مناسبة ويقرّر، من دون صندوق إقتراع ولا نواب.. وذاك يقحم النوستالجيا القومجية الثقيلة الظلّ.. غير آبه بما لهذا الإقحام من إفتئات على الشعب المصريّ نفسه الذي خاض الحروب النظاميّة العربية الإسرائيلية وهي تجربة أهم بما لا يقاس من كل تجربة المقاومات اللاحقة.. العلمانية منها والأصولية.. مهما قيل ويقال.
وطبعاً، كانت الرقم القياسيّ في الإبتعاد عن الواقع لمحمود أحمدي نجاد والمعجبين به. لم يجد هؤلاء غير تسجيل الحدث المصري كتتمة للثورة الإيرانية على نظام الشاه ولو جاءت متأخرة ثلاثين عاماً.. طبعاً، كان شباب الثورة المصرية أوّل من فسّر أنه أستفاد من تجربة شباب الثورة الخضراء الإيرانية ضدّ نظام نجاد وبالتحديد إستخدامهم لمواقع التواصل الإجتماعيّ على الإنترنت.
المهم أنّ كلّ هذه الإسقاطات منعتنا من الرؤية إلى طبيعة الحدث، أي إلى خصوصيّته وحدوده من جهة أخرى، بل نالت من حقّنا وحقّ المصريين في عدم رمي الطفل مع مياه الغسيل الوسخة، أي عدم رمي الدولة الأمة المصريّة ومبدأ مصر أولاً، وملحمة مصر المعاصرة في الحرب كما في السلم.
لكن الإستفتاء الأخير جاء ليضعنا مجدّداً أمام الواقع المصريّ، بخصوصيّته وحدوده. المصريّون أطاحوا الشيخوخة السياسة وبالتوريث وما عادوا راغبين بنظام الطوارئ، لكن المؤسسة الحاكمة جدّدت شبابها بالنتيجة.
يثبت الإستفتاء الأخير أن التقاطع بين الحزب الوطنيّ الحاكم مع وقف التنفيذ، وبين جمعية الإخوان المسلمين العائدة إلى الشرعية، قد نالَ 77% من الأصوات. وإذا سحبنا النسبة المفترضة للتصويت القبطي الرافض للتعديلات الدستورية لسبب وجيه جدّاً، وهو أنّها إصلاحات لا تعيد للأقباط حقوقهم، فستكون النسبة المفترضة لمن كان يتكلّم بإسم "الشعب يريد" في شهري كانون الثاني وشباط هي نسبة تراوح بين 7 و14% في أقصى تقدير. ولا شكّ أنّ كاتب هذه السطور، ومن موقع التضامن الكليّ مع الأقباط من جهة، ومع جيل الشباب من جهة أخرى، كان يفضّل التصويت بـ"لا" على هذه التعديلات.. إلا أنّه ليس الواقع، وأوّل شروط الثورية الحقيقية هي الإعتراف بالواقع لأجل تغييره وليس تجاهل الواقع بحجة التغيير. والواقع يقول إن مصر أنتقلت إلى ثنائية حزبية بين الحزب الوطنيّ والإخوان المسلمين، وأنّه ستكون هناك قوّتين رديفتين، واحدة شبابية والثانية قبطية. هذا هو الواقع.. حتى الآن.. فلا ثورة إشتراكية ولا سوفييتات ولا ديموقراطية مباشرة ولا جمهورية عربية متحدة جديدة ولا إمتداد لمنظومة ولاية الفقيه.