دعا النائب وليد جنبلاط خلال الجمعية العمومية للحزب التقدمي الاشتراكي الاحد الماضي الى فتح حوار بين الفريقين الكبيرين في البلد بعد تشكيل الحكومة. كما دعا في مقاله الاسبوعي في جريدة "الانباء" الى الاسراع في تأليف الحكومة كي لا يبقى البلد مكشوفا. جيد هذا الكلام في المبدأ، ونشد على يد قائله. ولكنه وفي الوقت الذي يعتبر جنبلاط ان شعارات تظاهرة 13 آذار 2011 الرافضة للسلاح غير ممكنة التطبيق، فإن التنازل عن سلاح الموقف الذي رفع في وجه غلبة السلاح الفئوي والمليشيوي ليس خيارا، كون "الحوار البيزنطي" الذي جرت آخر جولاته برعاية الرئيس ميشال سليمان لم يفض إلا الى استدراج الاطراف الى حلقة اكاديمية مفرغة، في حين بقي الطرف المعني بالشكوى والاعتراض القوي مغلقا في وجه اي مطلب جدي لنزع سلاحه في الداخل، وضبط قراره في المواجهة مع اسرائيل في اطار الدولة اللبنانية. فكم مرة استهزأ السيد حسن نصرالله، من موقعه المستقوي بالسلاح، بمطالب غالبية اللبنانيين، ومن بينهم السواد الاعظم من الطائفة الدرزية التي يتزعمها جنبلاط. وفي النهاية تنامى حضور السلاح في المعادلة السياسية، وبقي قرار الحرب والسلم رهنا بما يقرر في اروقة النظامين الايراني والسوري وينفذه "حزب الله" على ارض الواقع. وفي مطلق الاحوال فشل الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية كونه لم توضع له ضوابط، ولا مهل زمنية، والاهم انه في كل الاوقات بدا جليا ان "حزب الله" ادار ظهره لبقية مكونات الوطن واستمر في لعبة فرض الامر الواقع، وتعميق الآثار السلبية للسلاح في الحياة اللبنانية الداخلية.
فالتهديدات التي رافقت الحملة على المحكمة الدولية طوال الاشهر الستة التي سبقت الانقلاب على الحكومة كانت واضحة في رسائلها التي استغلت معادلة السلاح لترهيب الساحة الاستقلالية. كما ان مرحلة الانقلاب على الاكثرية الاستقلالية التي طبخت بين دمشق وحارة حريك، ومن خلالها جيء بنجيب ميقاتي الذي اتى الى المجلس النيابي بأصوات الاستقلاليين في طرابلس في محاولة لقلب المعادلات السياسية في البلد شكلت ابلغ صورة عما يمكن ان يفعله السلاح الفئوي الخارج على القانون والذي يستخدم في شتى الاتجاهات لنسف الاستقلال اللبناني، فضلا عن النظام والصيغة. والحال ان السلاح غير الشرعي جعل من المؤسسات الامنية والعسكرية اللبنانية بأسلاكها كلها لاعبا ثانويا في الوعي اللبناني الذي عاش ويعيش حالا من القلق الدائم من جراء بقاء فئة مسلحة خارجة على كل سيطرة، ويعشش على جنباتها كل ما هو ممنوع! واسألوا ابناء الغرب من الشويفات صعودا الى مدينة عاليه.
في مطلق الاحوال نحن امام واقع معقد: فمن ناحية افرغت طاولة الحوار من محتواها بانعدام الجدية، ومن ناحية اخرى لا مناص من الحوار لئلا ينزلق البلد الى صراع اكثر خطورة من ذي قبل. وهنا تبدو دعوة جنبلاط الى الحوار على قاعدة رفض استخدام السلاح في الداخل مبادرة جيدة ولكنها ناقصة، لانها ربطت بالاسراع في تأليف الحكومة الميقاتية ! وهنا بيت القصيد فرفض استخدام السلاح والدعوة الى الحوار يتطلبان اولا وقبل اي شيء آخر العودة عن الانقلاب الذي اطاح الحكومة الحالية، لأن الحكومة التي يتحدث عنها جنبلاط ستمثل في نهاية الامر وصايتي "حزب الله" والنظام السوري في لبنان. اما الاسماء "المحترمة" التي يجري التداول بها للحكومة فلن تكون اكثر من اوراق خريف سرعان ما ستسقط على ارض الواقع وستكنسها "رياح" الموقف الشعبي.
المطلوب إذاً العودة عن الانقلاب، لأن الحوار لا يمكن ان يقوم على قاعدة الأمر الواقع المسلح، ولا على قاعدة إحكام الوصايتين المحلية والاقليمية القبضة على بلاد الارز. ففي الوقت الذي يسقط المواطنون السوريون العزل في الساحات من اجل الحرية والكرامة ورفضا للدكتاتورية، يستحيل ان يقبل اللبنانيون وقد ثاروا لسنوات طويلة للحرية والكرامة بالامر الواقع الذي يريدون فرضه بالقوة والاكراه.
والآن عودة الى المشهد الاعم، فإن من يتابع جيدا مضمون ما قاله رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان البارحة وهو يتحدث عن الازمة السورية، وفيه "نصائح" للرئيس السوري بشار الاسد بضرورة الاسراع في الاصلاح شكلا ومضمونا، يستنتج ان المعطى الاقليمي تغيّر او هو في طريقه الى ان يتغيّر بشكل دراماتيكي، وتاليا فإن تشكيل حكومة الوصايتين سيكون خطأ استراتيجيا فادحا يرتكبه هؤلاء الذين انزلقوا الى الفخ، ليضاف الى سلسلة اخطاء في التقدير والممارسة.
خلاصة القول: نعم للحوار ولكن ليس في ظل حكومة الوصايتين!