#adsense

العالم العربي‮ ‬ونهاية حقبة‮ «‬الحزب الحاكم‮»‬

حجم الخط

لم يستطع المواطن العربي أن يتبيّـن حتى الآن ما وراء انتهاء حقبة العقود الستة من الديكتاتوريّة التي خضع لها العالم العربي والتي انطلقت في خمسينات القرن الماضي، ومن حيث المبدأ نجا لبنان من صورتها المكرّسة وإن كان دفع أثمانها في كلّ تقلباتها وتبايناتها ونزاعاتها واتفاقاتها أيضاً، واللبناني الذي يتابع مشهد الثورات المتنقلة من دولة إلى أخرى يخاف أن يركن إلى قناعته بالفشل النهائي والتامّ لمشروع متأخر كان يراد له أن ينشأ في لبنان، ومات وقُبِر قبل أن يصل إلى مبتغاه، بفضل الحسابات الخاطئة التي يرتكبها «الحزب الواهم» في لبنان منذ حسابات مغامرة خرق الخط الأزرق وخطف وقتل جنود صهاينة كانت نتيجتها القرار 1701، وصولاً إلى الحسابات الخاطئة العجلة التي اضطرّ إلى إعلانها عبر الإطلالة ـ المأزق في وجه لبنان وكلّ العالم العربي والتي استدعاها تحذير أردوغاني طيّب.

نجا لبنان من خطّة قتله بالانقلاب الدستوري تمهيداً لدخوله في أقبية الحزب الحاكم المظلمة، «متل اللي رايح عالحج والناس راجعة»، والحسابات الخاطئة ارتكبها حزب إيران عندما اعتقد واهماً أنّ الوقت مناسب جداً في المنطقة والأجواء مؤاتية لتنفيذ خطته الداهمة، كالعادة لا يحسب الحزب حساباته صحّ ـ وهذا من فضل الله ونعمته ولطفه بلبنان وشعبه ـ ولولا التحذير التركي الصارم لإيران من عدم التدخل بالشأن البحراني بعد دخول قوة درع الجزيرة إلى البحرين بعد تصريحات سافرة والتدخل من قبل رئيسها ومرشدها، فالتزمت إيران الصمت وحثّت وكيلها في لبنان على الإسراع في إطلالة إعلامية كان حصادها عليه شديد المرارة والضرر .

من دون أدنى شكّ، القلق اللبناني مزمن ممّا يجري في المنطقة العربيّة، عملياً لا خطر قريباً في الأفق اللبناني، فقد انشلت قدرة الحزب الواهم على تنفيذ أجندته، وشلّت تركيا مجدداً الرغبة الإيرانية في التحرّك باتجاه المنطقة بعد الحديث الواضح والصريح لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عن الوضع السوري المقلق بعد دخوله حزام الثورات المزلزلة في العالم العربي، داعياً للإسراع في الإصلاح، مع لفت نظر ـ يستدعي تأملاً وتفكيراً طويلاً ـ إلى عدم الرّغبة في تكرار رؤية النموذج الليبي مجدداً!!

نعيش كمواطنين في العالم العربي مرحلة تاريخية ومفصليّة تتغيّر فيها ملامح المنطقة ووجهها، من دون شك نحن ذاهبون نحو مستقبل أفضل بكثير باعتبار أن تعددية االحزاب والديموقراطيّة والكثير من مقدار الحريّة، وإلى تعاون تكتلات إقتصادية تجمع دول متعددة في المنطقة تتيح انفتاحاً كبيراً وانتعاشاً اقتصادياً، المناطق الاقتصادية لا تقوم إلا بتجانس في اقتصادات الدول، ولا تتعايش الديكتاتورية مع الاقتصاد الحر والمشاريع التي تنتظر المنطقة، نحن ذاهبون باتجاه تكاملات اقتصادية، كان لا بدّ من إسقاط الأنظمة التي انعدمت الثقة الدولية بنزاهتها اقتصادياً والتخلّص من جشعها وجشع من أعدّتهم لوراثتها، وكان لا بدّ من إسقاط أنظمة «الحزب الواحد» لا مكان للإيديولوجيات الحزبية المتعفنّة في ظلّ انزياح المنطقة نحو نماذج التكامل الاقتصادي، بقايا الثورات الخدّاعة التي عايشها جيل آبائنا وأجدادنا انتهى، فقد خدعت ثلاثة أجيال ودمرت ثلاثة أجيال وأحبطتها، وحان الوقت لإنقاذ الأجيال القادمة.

بعض الأنظمة لم تستطع أن تفهم أنها لم تعد تملك مقومات البقاء، بل لم تفهم أنها في حالة موت سريري منذ عقدين من الزمن، وأنها باقية لأنّ الشعوب لم تفكّر بدفنها من قبل، وما يحدث ليس «إرادة شعوب» استيقظت فجأة، بل هو هذا التحوّل الضخم الذي عايشناه منذ أواخر التسعينات مع انفتاح الفضاء العربي، وفرحت به الأنظمة على اعتبار أن الفضائيات تلهي الشعوب وتسمرها أمام الشاشة وتشلّ عقولها فساهمت في توسيع الرقعة وأمعنت في زيادة الواقع هشاشة وتفاهة من باب الإلهاء، وزادت سعادة أنظمة كثيرة مع غزو الشبكة العنكبوتية العالم العربي في العقدين الماضيين ثم تمنهجت وباتت ملزمة لكل شؤون الحياة، أصبحت وسيلة الاتصال الكوني الذي حوّلت العالم بأكمله إلى خبر في كبسة زرّ، في العقد الماضي نما جيل «لا يخرط» عقله كلّ التنظير والخطابات ومحاولات غسل الأدمغة والأدلجة، في غفلة من الأنظمة تحوّل العالم إلى لعبة بين أيديهم، كانوا يقولون «ولاد عم يلعبوا»، لم يتنبّه أحد أن جيلاً قائداً ينشأ في الظلّ، وقادراً على إدارة اللعبة في الظل، فلتسقط كل الديكتاتوريات، في العالم العربي اليوم ثمّة أطفال يفهمون في التطور التكنولوجي وشباب قادرون على التغيير من أماكنهم، في وقت كانت الأنظمة تظنّ أنها قادرة على مراقبة «الصرعة الفايسبوكيّة» التي ظنتها لعبة، الأنظمة طمأنت وخدّرت نفسها وأقنعت نفسها أن حدود خطر اللعبة هو التعارف والحب والزواج، إنما الثورة!!

انتهت حقبة الأحزاب الهرمة الحاكمة، الميتة سريرياً، مرحباً بالعولمة التي ظلت نظرية جدليّة عند المثقفين العرب، وانقسموا حولها كعادتهم ولكن لم يدركوا أنّ ماءها يجري من تحتهم إلى أن تحوّل سيلاً، الفايسبوك هو «الحزب الحاكم» للعقود المقبلة، والشباب أثبتوا أنهم قادرون على إسقاط أنظمة عجز آباؤهم وأجدادهم عن فعلها، ثمة جيل نشأ وهو يشاهد الكآبة والخوف وكمّ الأفواه نموذج السلامة في العالم العربي، لذا قلب المشهد، إنّه زمن «الشات» والبلاك بيري، باي باي يا كلّ الأنظمة البائدة التي سقطت والتي على وشك السقوط والتي تنتظر أن يحين دورها في السقوط!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل