يبدو أن سوريا لم تعد تحتفظ بعصاها السحرية التي كانت تستخدمها في لبنان.
هذا ما يردّده قيادي بارز في قوى "14 آذار"، مستندا بذلك الى أكثر من واقعة وحقيقة شهدتها، ولا تزال، المرحلة الماضية. ولعلّ أبرزها، بحسب ما يقول القيادي: استمرار تعثّر ولادة الحكومة الميقاتية، وعدم قدرة "فريق سوريا" بعد مرور شهرين وأسبوع على حصوله على الأكثرية، الاتفاق على حكومة، وذلك لعدم قدرة سوريا على التدخل كما في السابق.
فقدت دمشق تأثيرها المباشر الفاعل على لبنان والأسباب متعددة.
لا شك في أن سوريا و"حزب الله" يريدان ولادة الحكومة اليوم قبل الغد، إلا أن لكل منهما نظرته الى شكل هذه الحكومة. فالحزب الذي وضع نفسه في حال الحرب على "عدوّه" الجديد المتمثل بالمحكمة الدولية، يصرّ على حكومة تكتسب صفة المواجهة وتكون كذلك، إن لناحية الشكل أو لناحية المضمون. أما سوريا فحساباتها مختلفة، هي تريد بالطبع حكومة مؤلّفة من قوى "8 آذار"، لكنها تريد أيضا لهذه الحكومة أن تكون مقبولة الى حدّ ماـ وألاّ تضيف الى مشكلاتها مع المجتمع الدولي، في خضّم ما تشهده الشوارع السورية من احتجاجات مشكلة إضافية، وتقترب سوريا في نظرتها إلى الحكومة العتيدة من الصيغة التي اقترحها أخيرا الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي، والتي تضمّ المستقلّين والسياسيين معا، ورفضها "حزب الله" وعون معا.
قام النفوذ السوري في لبنان في السنوات الماضية على نقطتي ارتكاز: الأولى "حزب الله" وسلاحه، والثانية رئيس "التيار الوطني الحر" وامتداده المسيحي، وجاءت القوى الداخلية الأخرى مكملّة لهذا المشهد، وإن لم تكن أساسية فيه، كزعيم "المردة" النائب سليمان فرنجية والرئيس عمر كرامي وغيره من الأطراف الصديقة لسوريا في لبنان. وإذا كانت متانة العلاقة بين الأسد وفرنجية تفرض أسلوبا معيّنا في طريقة التعاطي، إلا أن العلاقة بين سوريا والحزب مختلفة، وهي قائمة على أساس آخر؛ فبالنسبة إلى الحزب، سوريا هي الممرّ الآمن لامداداته العسكرية، فيما هو حاجة لسوريا من دون ان يكون مطواعا في يدها، وعلّة وجوده أبعد من المصالح السورية، وإن كانت تلتقي معها أحيانا. ويمكن فهم طبيعة الارتباط بين دمشق وحزب الله بمجرد استذكار موقف كل منهما من أزمة البحرين.
أما تأثير سوريا في صديق اليوم وعدو الأمس رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" فيبدو مرتبطا أساسا بالعلاقة الاستراتيجية بين "حزب الله" وعون، وما يصحّ على الحزب يصحّ على زعيم الرابية.
وسط تراجع قدرة سوريا على التغيير في المشهد اللبناني الداخلي، أو تحوّل دورها في أقصى الحدود الى "أبو ملحم" على حدّ تعبير قيادي بارز في "14 آذار"، برز التوجه الجديد الذي عاد به رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط من دمشق، والاتصال الذي أجراه برئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري على وقع موقفه المطالب بالعودة الى هيئة الحوار، وفي السياق نفسه ما تردّد عن فتح القنوات مجددا باتجاه قوى "14 آذار"، وهذه الأجواء وضعتها مصادر قيادية في المعارضة الجديدة في اطار "الوجه" الذي تريد أن تظهر به سوريا الآن أمام المجتمع الدولي كعامل استقرار في لبنان كما في الاردن والعراق، ففي حساباتها التجربة الليبية وتجنب ردة الفعل الدولية القاسية اذا ما استمرت الاحتجاجات الشعبية في شوارعها.
وبعيدا من العامل السوري الفاقد حاليا قدرة المساعدة، يبقى أن صمود ميقاتي وتمسكه بحقوقه الدستورية مرتبط بمعرفته التامة بأنه حاجة أساسية للأكثرية الجديدة، فإن ذهب، ذهبت معه الأكثرية، وفقد بالتالي فريق "8 آذار" الشرعية الأكثرية لمواجهة ما ينتظرنا من استحقاقات مهمة على وقع طبول الثورة في العالم العربي.