كتبت ريتا صفير في "النهار": في ظل الجمود المخيم على عملية السلام في الشرق الاوسط، تتواصل الدعوات الغربية الى اعادة تحريك المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين، ومنها دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس اللجنة الرباعية الى تقديم مشروع للسلام في اجتماعها المقرر الشهر المقبل. اما لبنانيا، ورغم تمدد الشلل الذي فرضه التأخير في تأليف الحكومة على المؤسسات، تستمر التحضيرات لاعداد رؤية موحدة حيال ملفات ذات صلة في مقدمها قضية التوطين.
واذا كانت خطوة اقرار حق العمل للاجئين الفلسطينيين في مجلس النواب والتداعيات التي نجمت عنها قد فعلت فعلها لا سيما على المستوى المسيحي، فان التقاط الكنيسة والمؤسسات الدائرة في فلكها "كرة" التوطين، عشية انعقاد السينودس، هدف الى تحقيق اجماع مسيحي، فوطني حيال الملف. اجماع حاولت بلورته وثيقة سعت الى وضع "خريطة طريق" لقضية لبنان واللاجئين الفلسطينيين عبر تقديم مقاربة شاملة للملف تحظى بتوافق جميع الاطراف.
عمليا، حطت الوثيقة رحالها، قبل اشهر، في الرابطة المارونية التي تلقفت المبادرة وعكفت على تأمين التمويل لها باشراف المركز الماروني للتوثيق والابحاث. وافضى اسناد مهمة الاعداد الى الخبير زياد الصائغ والدكتور غابي بجاني الذي عمل على الجداول الاحصائية، الى بلورة دراسة متكاملة بلغت مسودة منها الدوائر الفاتيكانية، وكان سبقها تنسيق مع السفير البابوي غبريللي كاتشيا.
وفيما كان مقررا ان يتواصل العمل لترجمة الوثيقة الى لغات عدة تمهيدا لاطلاقها وتوزيعها على القيادات والسفارات والمراجع المعنية بعد تحقيق اجماع مسيحي عليها، برزت تباينات في وجهات النظر لمحت الى العودة الى مربع الاختلافات في مقاربة عدد من المسائل. تباينات بلغت اصداؤها البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي الذي وعد زائريه، وفقا لاطراف، عشية تنصيبه بالانكباب على الملف فور مباشرته مهماته رسميا. ومعلوم ان الراعي ملم بتفاصيل الموضوع، عبر متابعته الملف عن كثب مع المطارنة بولس مطر ويوسف بشارة وسمير المظلوم وعلمانيين من خلال عضويته في مركز التوثيق والابحاث الماروني.
علامَ تتركز الفوارق في وجهات النظر؟
الواقع ان الاسابيع الاخيرة شهدت تطورات تتعلق بالملف، حجبتها الاهتمامات بالازمة الحكومية، لعل ابرزها رد مجلس شورى الدولة الاسبوع الماضي المرسوم التنظيمي المتعلق بعمل اللاجئين الفلسطينيين والذي اصدره وزير العمل بطرس حرب. وعلل المجلس القضائي رده هذا باعتبار عدم صلاحية حكومة تصريف الاعمال في اصدار مراسيم تنظيمية، وان خطوة مماثلة تتطلب قرارا من الحكومة المقبلة.
في غضون ذلك، برز طلب المجلس التنفيذي للرابطة المارونية في اجتماعه الاسبوع الماضي، تمديد العمل بالوثيقة بالتزامن مع طرح مجموعة تعديلات، والدعوة الى إلغاء سلسلة توصيات ونقاط، ابرزها التركيز على علمانية الدراسة من خلال السعي الى الفصل بين المواقف التي تتضمنها وموقف الكنيسة.
وقد اختلفت قراءة الافرقاء المعنيين لمبادرة التمديد هذه. فمقابل تلميح اطراف الى امكان ارتباط خلفية القرار بالصراع الحاصل في البلاد، ترد الرابطة بنفي قاطع لهذا الكلام، متسلحة في هذا الصدد بالاجماع المسيحي المحقق حول رفض التوطين، وبالحيادية المطلقة للاطراف العاملين على الملف، مؤكدة ان لا تعديلات جوهرية ستطاول الوثيقة.
في خلفية النقاشات الدائرة، من وجهة نظر مشاركين فيها، رفض جهات انتزاع ورقة التوطين منها، يترجمه تأخير صدور الوثيقة. وعلى ذمة هؤلاء، فان الملاحظات التي يدور حولها النقاش تتركز على سلسلة نقاط، منها رفض اطراف الاقرار بالاخطاء المتبادلة التي حصلت بين اللبنانيين والفلسطينيين، فضلا عن التباين الذي نجم عن تبني "حق العودة" بدلا من "الحق بالعودة" لجهة الزامية هذا الحق وفقا لقرارات الأمم المتحدة، الى مسألة رفع الشكاوى الى محكمة العدل الدولية وغيرها من القضايا. وتبقى، في رأي الجهات نفسها، الغاية الاساسية من النقاشات التوصل الى مقاربة مسيحية فوطنية شاملة تسعى الى تبديد الهواجس الموروثة حيال القضية ونقل الموضوع من دائرة الخلاف اللبناني الى مرحلة الوفاق، على ان تشكل الرابطة احد الاطر المؤسساتية المساعدة في هذا الاتجاه. والاطراف أنفسهم، يأملون في مواصلة طرح الامور بطريقة موضوعية امام الرأي العام، بعيدا من منطق التلويح "بالتوطين المستتر" وتداعياته.
رد الرابطة
بنفس تصالحي، تسلط اوساط في الرابطة المارونية الضوء على الاختلافات في وجهات النظر، عازية التعديلات المرجوة على الورقة الى السعي الى النأي بالرابطة عن عدد من الطروحات، ولا سيما انها مؤسسة تعمل تحت سقف الكنيسة. ويتحدث اطراف في الرابطة عن عدد من التوصيات و"التعابير المزعجة" التي تتضمنها الوثيقة والتي يتم العمل على تعديلها، ويشيرون الى ان التباين في وجهات النظر مرده الى اسلوب العمل الفلسطيني واستعمال السلاح وليس الى القضية الفلسطينية بذاتها. تحفظات اخرى تثيرها اوساط الرابطة العاملة على المشروع وتتناول مسألة وضع برامج تتعلق بالقضية الفلسطينية من منطلق رفضها الزام الكنيسة بها، فضلا عن طلب استحداث وزارة تعنى بشؤون الفلسطينيين في وقت تفضل اوساط الرابطة احياء مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين ضمن وزارة الداخلية.
ورغم تأكيد الرابطة ان الامور وضعت على نار حامية لجهة توقيت اطلاق الوثيقة وتعميمها، الا انها تلمح الى وجود رأي يقضي بضرورة الاستمهال والتأني في الاعداد والدراسة وخصوصا ان لا عناصر او معطيات ملحة تحتم نشرها. وعلى قولها، تبقى الامور الاجرائية معلقة في انتظار انتهاء أعمال الترجمة، ملمحة الى سعي اطراف الى ربط اصدار الوثيقة بالاستحقاق الحكومي.
التوطين وارتداداته، ملف آخر ينتظر مسعى "الكنيسة الجديدة" لتوحيد رؤى "البيت الداخلي" حوله، استعدادا "لنافذة فرص" على مستوى المنطقة، قد يفرزها مناخ الانتفاضات العربية.