في حديثه الى صحيفة "وول ستريت جورنال"، شدد الرئيس بشار الاسد على اظهار عمق التباين والاختلاف بين ما جرى في تونس ومصر وما يجري في سوريا.
وقال في معرض تطمين الشعب السوري القلق: "نحن لسنا تونسيين ولا مصريين".
وكان بهذا التعريف يسعى الى ابراز خصوصية النظام السوري الذي تخطى ازمات داخلية عدة تمثلت اهمها بعملية قمع "الاخوان المسلمين" في حماه وحلب سنة 1982.
صحيفة "واشنطن بوست" رفضت تبني فكرة خصوصية النظام السوري، وكتبت افتتاحية حول احداث درعا وحمص وحماه واللاذقية والرقة والمعضمية، وصفتها بأنها أول تحد جدي يواجهه الرئيس الشاب منذ تسلم مقاليد الحكم قبل احدى عشرة سنة.
وقالت ايضاً ان الدكتور بشار الاسد مضطر لإجراء تغييرات اقتصادية واصلاحات سياسية استجابة لمطالب المتظاهرين الذين كسروا حواجز الخوف من السلطة واجهزتها المستنفرة دائما. وهذا ما أكدته مستشارة الرئيس بثينة شعبان، أثناء مؤتمرها الصحافي الذي عقدته في دمشق واشارت فيه الى استعداد الحكومة لاجراء اصلاحات اقتصادية وسياسية، أهمها إنهاء العمل بقانون الطوارىء المطبق منذ سنة 1963. أي القانون الذي يعطل المحاكم المدنية ويستبدلها بالمحاكم العسكرية التي تلغي تلقائياً الحريات العامة والحقوق المدنية تحت ذريعة الحفاظ على سلامة "الامن القومي".
هل كانت بثينة شعبان مخطئة في عرضها السخي عندما وعدت المتظاهرين في درعا باحتمال انهاء العمل بقانون الطوارىء؟ يؤكد اصدقاء المستشارة الاعلامية ان وجودها داخل الحلقة القريبة من الرئيس، يمنحها فرص الاطلاع على دقائق الامور، خصوصا انها تعرف حرص الاسد على اهمية التحفظ بشأن مشاريع الدولة. والثابت ان هذا الوعد كان جزءا من قائمة وعود سياسية واقتصادية واجتماعية، ذكرتها في مؤتمر صحافي بهدف تطمين المواطنين الى اهتمام الدولة بمطالبهم الملحة.
يستدل من مجمل الاصلاحات التي ارجىء تنفيذها، ان الرئيس بشار الاسد كان عازماً على اعلان خطة مستقبلية حالت المتغيرات الاقليمية دون تحقيقها.
والخطة، كما وردت على ألسنة الوزراء، تتمثل في عملية اصلاح شاملة تبدأ بسلك القضاء، وتشمل حملة مكافحة الفساد، وتنتهي بوضع قانون انتخابات يكون بمثابة مختبر لقانون تعدد الاحزاب. وهذا ما عناه الاسد من وراء قوله: "ان بقاء سوريا خارج عملية الاصلاح هو عمل مدمر".
ثم استدرك ليؤكد ان الاصلاح الجذري سيتم "بسرعة"، وانما بدون "تسرع". أي أنه لن يكون بطيئاً خلال مرحلة التنفيذ… كذلك لن يكون "متسرعاً" لئلا يفقده الاستعجال ميزة التأني والتروي والابتعاد عن التهور.
الامر الجديد في خطاب الاسد كان اعلانه عن قبول استقالة حكومة محمد ناجي العطري التي تشكلت المرة الاولى سنة 2003. ويتردد في الاوساط السياسية في دمشق عن نجاح الرئيس في استبعاد عناصر حزبية من تشكيلة الحكومة الجديدة، بحيث تكون على مستوى التحديات المقبلة. ويقال في هذا السياق، ان الخطاب الثاني الذي سيقدم به حكومة التغيير سيتضمن برنامجه السياسي والاقتصادي وكل ما يعزز مشروع الاصلاح الداخلي والانفتاح الخارجي.
وذكرت صحف لبنانية قريبة من خط سوريا، ان الحكومة المقبلة ستكون شبيهة في مهماتها، من حكومة الدكتور عبد الرؤوف الكسم (1980). وقد انتقاه حافظ الاسد بسبب كفاءته ونجاحه كمحافظ لدمشق. وبسبب تمتعه بحماية الرئيس، استطاع الكسم ان يعاقب المفسدين ويزيد رواتب موظفي الدولة، ويقود حملة داخل "حزب البعث" للكشف عن الاخطاء التي ارتكبت خلال فترة الصدام مع "الاخوان المسلمين".
وبين الاولويات التي حددها خطاب الاسد، للحكومة الجديدة، اربع قضايا مهمة هي: اولا – تعزيز الوحدة الوطنية وسحق الفتنة الطائفية. ثانيا – مكافحة استشراء الفساد ومنع الاستغلال. ثالثا – التصدي للاعلام الذي شوه حقيقة الاحداث في سوريا، والرد عليه بوسائل حضارية ذات صدقية. رابعاً – زيادة فرص العمل على نحو يخفف من اعباء الشباب ويفتح امامهم فرص المستقبل.
ختم الرئيس الاسد كلمته امام البرلمان يوم الاربعاء الماضي، بالاشادة بأهل بلدة درعا التي شهدت بداية الاحتجاجات حيث سقط من شبانها اكثر من ستين قتيلاً.
ونفى ان تكون غالبية اهل درعا قد ايدت ما صنعته القلة، واصفاً سكانها بأهل الوطنية والشهامة والعروبة الاصيلة.
ووعد ايضاً باجراء تحقيق ومحاسبة المسببين قائلاً "الدماء التي نزفت هي دماء سورية، والضحايا هم اخوتنا وأهلهم اهلنا، ومن الضروري ان نبحث عن الاسباب والمسببين ونحقق ونحاسب…".
وقد حرص قادة النظام في دمشق على تشكيل اكبر تظاهرة في "ساحة السبع بحرات" تحت شعار: الوحدة الوطنية وافشال المشروع الطائفي. وركزت عدسات التلفزيون على عشرة رجال دين يمثلون مختلف الطوائف، يقفون فوق شرفة مطلة على الساحة، وقد شبكوا ايديهم للتدليل على الوحدة الوطنية.
ورفعت فوق رؤوس الآلاف من المتظاهرين يافطات ابرزها: "استقرار سوريا مصلحة وطنية وقومية".
وقد شدد على هذه العبارة ايتامار رابينوفيتش، كبير مفاوضي اسرائيل واختصاصي الشؤون السورية، فكتب مقالة في جريدة "يديعوت احرونوت" خلاصتها: ان الجمهور السوري ارتضى بعقد صفقة غير مكتوبة تقضي بمنحه الاستقرار والامن مقابل مصادرة الحقوق والحريات. واليوم قرر الجمهور السوري الغاء هذه الصفقة!
ولكن التعليقات في الصحف العربية، ردت عليه باحياء حوادث الاغتيالات في مدينة اللاذقية سنة 1979، حيث تبين من التحقيقات ان "الموساد" كان يغتال كل يوم رجل دين من طائفة معينة بهدف اشعال نار الفتنة الطائفية في مدينة عرفت بتنوع سكانها ورغبتهم في العيش المشترك.
ويبدو ان "الموساد" قد اعتمد ما كتبه ابو العلاء المعري، شعرا في قصيدته الشهيرة ومطلعها:
في اللاذقية ضجة ما بين احمد والمسيح
هذا بناقوس يدق وذا بمأذنة يصيح
كل يمجد دينه يا ليت شعري ما الصحيح؟
ومنعاً لتكرار تلك الحوادث المؤلمة، ستولي الحكومة الجديدة عناية خاصة ببلدة درعا ومدينة اللاذقية، خشية انتقال "المرض" اللبناني بالعدوى، الى الاماكن السورية.
بقي السؤال المتعلق بفحوى الخطاب الذي ارجأ الرئيس بشار الاسد، اعلانه يوم الاربعاء الماضي، وما هي الاسباب الحقيقية التي تكمن وراء تأجيله؟
على هذا السؤال اجابت وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون بالقول ان بلادها لن تتدخل في شؤون سوريا الداخلية مثلما تدخلت في تونس ومصر وليبيا. وقالت ان النظام الذي قاطعته اميركا اكثر من ست سنوات، عادت فأرسلت اليه سفيرا مميزاً بهدف استئناف العلاقات
الديبلوماسية والاقتصادية. وفي هذا الكلام المطمئن يرى المراقبون، ان واشنطن لا تزال داعمة لبقاء النظام السوري الذي يساعدها على ضبط الساحتين اللبنانية والفلسطينية. كما يساعدها في الحوار المتوقع مع ايران في حال اضطرها الانسحاب العسكري الاخير من العراق وافغانستان، الى تثبيت منظومة العلاقات الامنية مع هاتين الدولتين القائمتين فوق بحيرات الغاز والنفط.
اما بالنسبة الى النظام السوري، فان ما يجري في العراق وليبيا، اضطر الرئيس الى التريث قبل ان تظهر له الخريطة النهائية لدولتين عربيتين مرشحتين للانفصال او التفكك. كذلك اقنعته النشاطات الجانبية التي تقوم بها حكومة نتنياهو مع الرئيس محمود عباس، بأن الولايات المتحدة ماضية في تطبيق المرحلة الثانية من "خريطة الطريق"، اي اقامة دولة فلسطينية داخل حدود موقتة، واستئناف المفاوضات حول التسوية الدائمة مع السلطة.
وقد اشار وزير الدفاع ايهود باراك الى استعداد اسرائيل لتحريك مسألة الجولان في خط متواز مع المسألة الفلسطينية.
بعد اختلال اضلاع المثلث الذي بنى عليه حافظ الاسد التغطية السنية المطلوبة والمؤلف من سوريا والسعودية ومصر، لم تملأ تركيا الفراغ الذي احدثه غياب الضلع المصري. وعليه قرر الدكتور بشار انتظار نتائج الانتخابات في مصر ما بعد حسني مبارك، لعل النتائج تلغي العوامل التي فرضت التباعد.
وفي انتظار نجاح التسوية المقترحة لحل مشكلة اليمن، تتوقع دمشق ان تكلف باجراء مصالحة بين طهران والمنامة، تزيل العوائق امام الحوار الذي اقترحه ولي عهد البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة.
وفي مطلق الاحوال، قد يبدأ النظام السوري حملته الاصلاحية بالوعد الذي اعطته بثينة شعبان، اي بالغاء قانون الطوارىء واستبداله بقانون مقاومة الارهاب باعتبار ان المرحلة المقبلة تقضي باستبدال الشكل لا المضمون.