لا حلّ لأزمات لبنان إلا بإنهاء الصراع مع إسرائيل
أي شرق أوسط جديد ستقيمه الثورات الشعبية؟
أسئلة كثيرة تطرح في ضوء ما يجري في المنطقة من تغيير لأنظمة مع تغيير لحكام أو تغيير لأنظمة بإدخال اصلاحات عليها مع بقاء الحكام. والجواب عن هذه الاسئلة لا يزال مبكرا، لان حركة التغيير لم تكتمل ولم يعرف ماذا بعدها: هل تسير المنطقة نحو قيام شرق اوسط جديد على اساس الديموقراطية ام على اساس الفيديرالية والكونفيديرالية، ام تسير نحو انظمة دينية وتطرف تحسب لها اسرائيل ألف حساب؟
ثمة من يقول ان المنطقة ذاهبة نحو السلام الشامل اياً يكن شكل الانظمة فيها. وتحقيق هذا السلام الذي بدأ مع مصر والاردن ينبغي ان ينتهي مع سوريا.
لقد كان مطلوبا من حكم الرئيس انور السادات عقد اتفاق سلام مع اسرائيل عُرف باتفاق كمب ديفيد، باعتبار ان لا حرب من دون مصر، ومطلوب الآن من حكم الرئيس بشار الاسد ان يعقد اتفاق سلام مع اسرائيل باعتبار ان لا سلام من دون سوريا، بدليل ان اسرائيل استطاعت اخراج مصر من الحرب معها لكنها لم تستطع تحقيق السلام مع سوريا فظل سلاما منقوصا وغير شامل رغم تحقيقه مع مصر والاردن.
وكما كان حكم الرئيس السادات ضروريا لتحقيق السلام مع اسرائيل من خلال اتفاق كمب ديفيد، فإن حكم الرئيس الاسد ضروري لتحقيق السلام الشامل في المنطقة.
وفي حوار تلفزيوني مع الرئيس حسين الحسيني قال: "ان كمب ديفيد لم يبعد مصر عن دورها وعن عمقها العربي فحسب، بل اضر بالقضية الفلسطينية وبلبنان بصورة خاصة لانه ادخل لبنان في الاسر، فصار اتفاق كمب ديفيد من هنا واسرائيل احتلت جنوب لبنان. فمنذ ايام صلاح الدين الى اليوم هناك جبهة غربية اسمها مصر وجبهة شرقية اسمها سوريا مقابل فلسطين، فكانت مقولة لا حرب بلا مصر ولا سلم بلا سوريا، وقد اخذت اسرائيل اللاحرب باتفاق كمب ديفيد ورفضت السلم، وحيّدت مصر عن الدور العربي المهم وأضعفت بالتالي الجبهة الشرقية ومُنع عن مصر العمق السوداني والعمق الليبي وصارت تعيش بالقطارة. وفي لبنان كان اتفاق الطائف على امل ان يخرج لبنان من الاسر، لكن كانت حرب الخليج واجتياح الكويت، وكانت ايضا هزيمة العرب في حرب 1967، وعوض ان يتفق العرب على وضع استراتيجية موحدة لتحرير ارض فلسطين استبدلوها بفصائل فلسطينية، كل فصيل يخص دولة من الدول العربية. ونحن الآن في لبنان نعيش نظام الفصائل، كل جهة فصيل ومرتبطة بدعم خارجي او تابعة لدولة، فأدى ذلك الى الالتفاف على اتفاق الطائف وعدم تطبيقه بدءا بقانون الانتخاب وبالسلطة الاجرائية وبقانون الدفاع وبالكلام على الاستراتيجية الدفاعية، وبالقضاء المستقل، ولا حل الآن إلا بالعودة الى الدستور، وبإسقاط النظام الطائفي بحركة شبابية بدأت لانه نظام خارج الدستور، وليتفضلوا ويردوا الامانة للناس لكي ينتخبوا وفقا لقانون عادل".
وفي مقال لوليم بيرنز مساعد وزيرة الخارجية الاميركية للشؤون السياسية تحت عنوان: "الاستراتيجية الدفاعية في شرق اوسط جديد"، جاء فيه: "ان بائعا متجولا تونسيا تملّكه اليأس اضرم النار في نفسه مطلقا شرارة ثورة لا تزال نيرانها تجتاح المنطقة بأسرها وتدفع منطقة الشرق الاوسط الى مرحلة من التحول العميق، لها بحد ذاتها اهمية توازي اهمية عام 1989 بالنسبة الى اوروبا. انها لحظة واعدة بالنسبة الى الشعوب والمجتمعات التي لطالما حرمت الحرية والكرامة والفرص. انها لحظة الامكانية المتاحة امام السياسة الاميركية التي تقدم من خلالها الحركة السلمية والمحلية المنشأ وغير الايديولوجية، فرصة تبرؤ قوية من لغة "القاعدة" الخاطئة التي تعتبر ان العنف والتطرف هما الوسيلتان الوحيدتان لإحداث التغيير". ويضيف: "انها لحظة مخاطرة كبيرة لمساعدة العمليات الانتقالية على النجاح وتشكل بالتالي تحديا مهما بالنسبة الى السياسة الخارجية الاميركية شأنه شأن اي تحد سبق ان واجهته منذ نهاية الحرب الباردة. ونقطة البداية لهذه السياسة تتمثل بالفهم الواضح لما هو في محور اللعبة ولما هو في دائرة المجازفة في الشرق الاوسط. فالثورات التي بدأت في المنطقة لا تتعلق بالولايات المتحدة انما بالشعوب الشجاعة المصممة على بلوغ حكم افضل وعلى فرص اقتصادية اكثر وعلى ردم الهوة بين الحكام والشعوب التي لطالما شكلت مصدر قمع لحرية التعبير عن الرأي وحق تقرير المصير. فالانظمة والقيادات التي لا تستجيب لتطلعات شعوبها تصبح اكثر هشاشة وليس اكثر استقراراً. والتصور الذي استحوذ لمدة طويلة على عقول الكثير من القادة العرب يتمثل بوجود خيارين سياسيين فقط. اولهما الحكام المستبدون وثانيهما المتطرفون الاسلاميون، وهو الذي ساهم في إشعال الفتيل في ميدان التحرير". ويختم بالقول: "ان الولايات المتحدة بقدر ما تهتم بدعم ظهور حكومات اكثر شفافية وتجاوبا، ستشكل شركاء اكثر قوة واستقرارا، فبناء المؤسسات امر ضروري، كذلك الحسابات والموازنات والاعلام المستقل لمحاسبة الناس". ودعا "الى تعزيز الروابط مع دول مجلس التعاون الخليجي ومكافحة الارهاب ومنع ايران من تطوير اسلحة نووية ومن اطلاق سباق تسلح اقليمي كارثي. فهذه لحظة لا تأتي الا نادرا، في سياق مجرى الاحداث، لحظة تكثر فيها الفرص التاريخية وتتخللها عقبات هائلة بالنسبة الى شعوب الشرق الاوسط. ولحظة تتطلب اهتمام الولايات المتحدة واكبر قدر يمكن توفيره من الابداع والمبادرات بالتعاون مع شركائها في ارجاء العالم".
وترى اوساط سياسية مراقبة، ان لبنان سيكون المستفيد من المتغيرات والتحولات في المنطقة، بحيث لا يبقى النظام الديموقراطي فيه غريبا عن انظمة الدول المحيطة به، بل يتعزز ويترسخ عندما لا يكون على تناقض مع انظمة اخرى.
واذا كان لبنان لم يستفد من سلام تحقق بين اسرائيل من جهة ومصر والاردن من جهة اخرى، فانه سوف يستفيد من سلام يتحقق مع اسرائيل من جهة وسوريا ولبنان وفلسطين من جهة اخرى. فاذا تحقق هذا السلام فان لبنان يتوصل الى حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على ارضه ويتخلص ايضا من وجود اي سلاح خارج الدولة ولا يبقى وجوده مشكلة تثير الانقسام الحاد بين اللبنانيين، وتصبح العلاقات اللبنانية – السورية علاقات طبيعية ومميزة لان الانظمة في الدولتين تصبح متشابهة، ولا تبقى متناقضة ومتعارضة كما هي الآن، ولا يبقى ترسيم الحدود بينهما مشكلة لاسيما في مزارع شبعا لان التوصل الى اتفاق سلام يحل هذه المشكلة، لا بل تصبح الثقة متبادلة بين لبنان وسوريا ايا يكن الحكام في البلدين، وتتحقق عندئذ العلاقات الصحيحة والسليمة من دولة الى دولة ولا يعود في لبنان فئة تستقوي بسوريا على فئة اخرى، بل يصبح الجميع يستقوون بالدولة القوية القادرة والعادلة، ويعتمدون على حمايتها. ولا يعود ثمة خوف من ان يُحكم لبنان من دمشق ولا ان تُحكم دمشق من لبنان بسماحه بأن يكون ممرا او مستقرا لاي قوة او دولة او تنظيم يستهدف المساس بأمن لبنان او أمن سوريا، وان لا تسمح سوريا الحريصة على امن لبنان واستقلاله ووحدته ووفاق ابنائه بأي عمل يهدد امنه واستقلاله وسيادته.
ان السؤال الذي ينتظر الجواب حول ما يجري في المنطقة هو: هل يتم اعداد المسرح لحروب او لفوضى ام لسلام ووئام تنعم بهما الشعوب فيها؟