
منذ انطلاق ثورة 17 تشرين نزل محازبو ومناصرو القوات اللبنانية مثل كافة المواطنين الذي عانوا من الانهيار الاقتصادي إلى الشارع وكانوا جزء من الثوار لمواجهة ممارسات الفساد التي كانت ترتكبها السلطة الحاكمة بعد فشلها في تأمين أبسط مقومات العيش وحاجات الناس اليومية، فيما واكبت قيادة الحزب تحرك الشارع باستقالة وزرائها من الحكومة.
إلا أنه اليوم وبعد مرور حوالي السنة وعدة أشهر وصلت الثورة إلى شبه أفق مسدود بعدما ثبت تلطي السلطة الفاسدة بسلاح حزب الله للترابط الوثيق بينهما، ضمن معادلة لي سلاحي ولكم مراكزكم وفسادكم مع تبادل للمهمات والأدوار في أحيان ومحطات كثيرة، وراحت الثورة تصعّد من مواجهتها بشكل مباشر بوجه الفساد والسلاح غير الشرعي معاً بعدما اصطدمت بالفريقين في الشارع بشكل مباشر لقمعها.
ومنذ تلك المعضلة وعلى الرغم من تمسك بعض الثوار بشعار “كلن يعني كلن” لا سيما بوجه القوات اللبنانية راح البعض يطرح التساؤل عما اعتبره “مهادنة” حزب القوات اللبنانية لسلاح حزب الله، وهذه المقولة تختلف خلفيتها بين طارحيها، لمن يمارس العمل السياسي في كواليس الثورة في هذه المعمعة السياسية بهدف تسجيل النقاط، ولمن يسأل عن هذا الموقف ببساطة ليعرف ما إذا غيرت القوات تموضعها بعدما اصطدمت بالواقع المستجد.
الفئة الاولى تعيش انفصاماً، فبعد محاولة محاصرة القوات بشعار “كلن يعني كلن” على الرغم من سقوط هذه المقولة عن حزب القوات منذ اليوم الاول للثورة لغياب تورطه بأي ملفات أو صفقات فساد كما محاولة تحميلها تبعات تسوية 2016، اعتبرت أنها حققت انتصاراً من خلال استقالتها من المجلس النيابي وها هي تطالب باستقالة نواب القوات على الرغم من ثبوت عدم جدواه عملياً، سوى صدمة معنوية انتهت بخلاف التوقّع، وبخلاف ما يتم في الدول المتقدمة، تبعاً لتعقيد التركيبة اللبنانية. كما سعى هذا البعض إلى محاولة تغيير موقف القوات اللبنانية من السلاح غير الشرعي وفق رؤيته وتوقيته وطريقته لدفع القوات لتكراره من على منابر صاخبة ربما قد تشكل فتنة لحرب أهلية جديدة، فيما غسل يديه سابقاً من خلال مصالحات عائلية، تاركاً لمنافسي القوات في كل محطّة تحميلها منفردة تبعات الحرب السابقة من بين كل من شارك فيها.
إلا أن الحقائق التاريخية الثابتة وأهداف حزب القوات اللبنانية تبقى هي الجواب:
الخلاف الاستراتيجي بين مشروع القوات اللبنانية الذي يؤمن ويعمل على استمرار الدولة اللبنانية وحماية المجتمع التعددي، ودولة ديمقراطية رائدة في تنوعها وثقافتها ولها أفضل العلاقات مع كافة الدول بعيدا عن النزاعات الإقليمية، انطلاقاً من موقع لبنان كعضو مؤسس في الأمم المتحدة وعضو في الجامعة العربية، ودولة جامعة لمواطنيها نائية بنفسها عن كل النزاعات الا تلك التي تمس سيادتها وأمنها على كافة أراضيها.
فيما مشروع حزب الله هو مشروع ولاية الفقيه المرتبط بالعقيدة الدينية التي يبني عليها وجوده، قراره قرار إقليمي يخرج عن نطاق ومؤسسات وسيادة الدولة اللبنانية من موقع جغرافي يصدر من الدولة الراعية لسلاحه ليحقق أهدافها، وليس لبنان وشعبه سوى ساحة حرب وذخيرة ووقود لهذا المشروع.
وصل الثوار إلى واقع ارتباط أزمة لبنان الاقتصادية، وفق ما كانت تنبه له القوات اللبنانية مع السلاح غير الشرعي المخالف لمقومات الدولة وما ألحقه من أضرار على الاقتصاد على مختلف الاصعدة منها ضبط المعابر لا سيما غير الشرعية التي يتم عبرها تهريب الاموال والسلاح والممنوعات واستيراد البضائع وحرمان الدولة من جباية الاموال، واكتشفوا الرابط العضوي بين هذا السلاح والفساد واستحالة الفصل بينهما، أو مواجهة السلطة السياسية من دون مواجهة السلاح للحماية التي أمنها لمنظومة الفاسدين واركانها، وباتت تحركات الثورة قائمة على ردود الفعل وعجزت عن القيام بخطوات جديدة مع أزمة تشكيل الحكومة وبات تحركها مرتبطاً بملف من هنا او أزمة من هناك.
إلا أن مقاربة القوات اللبنانية للأزمة الحالية هي مقاربة واقعية من دون أن تحيدها عن ثوابتها واهدافها، تختلف حكماً عن طرق ووسائل الثورة المتعددة:
– نتيجة أعمال الثورة وفق رؤية القوات اللبنانية هي إسقاط الطبقة الفاسدة من خلال انتخابات نيابية مبكرة وإنتاج طبقة سياسية جديدة تسمح بتمثيل الثوار في البرلمان لتحقيق أهدافها، وليس إسقاط النظام القائم على دستور الطائف في ظل خاصية التركيبة اللبنانية، ذلك ان إسقاط الرئيس في الشارع الذي هو حامي الدستور وعلى رغم من تخلفه عن مهامه سيؤدي إلى سقوط الدستور وسيأخذ لبنان إلى فوضى في غياب اي قيادة موحّدة للثورة لها مشروعها الواضح يحظى بموافقة الثوار وقسم كبير من اللبنانيين، إلى نظام مجهول يؤجج التوتّر المذهبي ولربما يُدخل لبنان في حرب أهلية جديدة ذاق اللبنانيين أمرها في الحرب الأخيرة، لا تزال أثارها وتبعاتها راسخة في ذهنهم والتواقين اليوم إلى العيش بسلام وعيش كريم في ما بينهم.
– سلاح حزب الله اللاشرعي في لبنان بات سلاح إقليمي كان يمرر إلى لبنان على علم ومعرفة الدول الكبرى وتحت أنظارها في فترة سابقة، وهو مرتبط بطاولة المفاوضات الأميركية الإيرانية حول السلاح النووي والإستراتيجي وتدخل ايران في المنطقة من خلال أذرعها في المنطقة، ودورها الحالي في اليمن ولبنان وسوريا والعراق واعتداءاتها على السعودية، وسابقا محاولاتها في البحرين والكويت، وإن أي حل للنزاع الإقليمي سيكون حل معضلة السلاح غير الشرعي للحزب في لبنان جزءاً منه.
– على الرغم من مشاريع الحزب التي تتناقض وتدمّر الكيان اللبناني وتاريخه، ان بيئة حزب الله هي بيئة لبنانية، تجمعها مع حركة امل حتى لو أخذنا واقع الترهيب أو رهبة السلاح إنما هما يعكسان التمثيل للطائفة الشيعية، في ثلاث محطات انتخابية نيابية وكافة الانتخابات النقابية والطلابية وغيرها، وقد عجزت اللقاءات والتجمعات الشيعية المناوئة عن إحداث أي خرق أو تظهير لموقعها وحجمها في أي مناسبة أو محطة انتخابية، وإن بهتان الثورة في بيئة الثنائي باستثناء بعض الحركات اليسارية أكبر دليل على ذلك.
– جمهور الحزب هو جمهور لبناني، وعلى الرغم من انه سلاح دولة ضمن دولة ويناهض ويشلّ قيام الدولة اللبنانية، فهو ليس احتلالاً أجنبياً سورياً أو إسرائيلياً أو سلاحاً فلسطينياً مثلما كان قبل العام 1982، وأن اي موقف مغاير إنما هو تعام عن الواقع والحقيقة.
موقف القوات تجاه الحزب ثابت وواضح، وإن التسرع في اتخاذ المواقف التي تعكس رؤية وحقيقة مواقف القوات من السلاح وفق ما يتمناه الشارع المنتفض على الفساد والسلاح غير الشرعي، إنما يشكل استغلالاً وقد يؤدي إلى مواجهة قد تتفلت في ظل التطرف المذهبي الذي يشهده لبنان والمنطقة ويتحول إلى حرب أهلية جديدة، تسعى القوات لتجنبها، طالما لا يزال هناك على الرغم من كل الظروف الحالية امل بإعادة احياء مؤسسات الدول للقيام بدورها مع شركاء كثر من اللبنانيين لإيجاد حلول لكافة المشاكل الاقتصادية والإنمائية والنزاعات الخلافية.
وإذا كانت الثورة محقة في مطالبها وتعترض القوات اللبنانية على بعض أدائها، وإذا كانت القوات جزءاً صغيراً في السلطة كانت معترضة ومعارضة لكثير من ممارساتها ومشاريعها، إلا انها لا يمكن ان تنجرّ إلى مواقف تزيد نسبة التوتّر المذهبي لما تمثله القوات من عمق الوجود المسيحي، إلا أن هذا الموقف لا يمكن أن يشكّل انقلاباً على تاريخها ودورها ويغير مبادئها، وبالمقابل لن يحول دون ان تكون القوات اللبنانية على أهبة الاستعداد في أي لحظة للقيام بواجبها للدفاع والمحافظة على الكيان اللبناني وعلى وجودها فيه والفئة التي تمثلها التي سبق وقدمت قرابين على مذبحه والتي ستظل تعمل لبنائه وفق رؤيتها ولتحقيق أهدافها.