#adsense

الراعي و”عصا” المصالحة المسيحية

حجم الخط

التدفق غير المسبوق شعبياً ووطنياً إلى بكركي لتهنئة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي عكس الثقة العميقة بشخص البطريرك الجديد والآمال الكبيرة المعلقة عليه. وبقدر ما كان البطريرك الراعي فرحاً ومزهواً بهذا الالتفاف من حوله وكل مظاهر الدعم والتأييد التي استقبل بها، شعر بحجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه و "الحمل الكبير" الذي يحمله لأن الشعب الذي أتاه مهللاً ومهنئاً ينتظر منه الكثير وينظر اليه على انه الخلاص الآتي بعد مخاض طويل وعسير، وبارقة الأمل في زمن التحديات الصعبة والاحباط الطويل.

مما لا شك فيه ان الأولوية ستكون للشأن الديني والكنسي حيث للبطريرك الراعي خطة عمل متكاملة تتخذ من الارشاد الرسولي ومقررات السينودس من اجل لبنان منطلقاً واساساً ومرجعاً كيف لا وبصماته وافكاره واضحة فيهما. وفي هذا المجال سيكون عمل حثيث على تجديد الكنيسة و "مأسستها" وعلى وضع خيرات الكنيسة في خدمة الرعية لتمكين المسيحيين من الصمود في أرضهم ومواكبة التحديات الاجتماعية والانسانية ومعالجة أسباب الهجرة والنزوح المسيحي من الارياف والاطراف إلى الساحل والمركز . وسيكون تفعيل للروابط والصلات بين الأبرشيات في لبنان وعالم الانتشار، واقامة حوار بين الكنائس المشرقية سعياً إلى التقارب وتذليل الاشكاليات ، وسيكون وصل لما انقطع بين البطريركية المارونية ومختلف الطوائف اللبنانية وبناء علاقة جديدة بين بكركي وسائر المراجع المسيحية والاسلامية. وسيكون سعي إلى الخروج من القوقعة لأداء دور مشرقي أكبر ولتكون الكنيسة المارونية الذراع الفعلية لروما في الشرق، وكل ذلك في إطار الترجمة العملية للارشاد الرسولي القائم على ان لبنان بلد الرسالة والنموذج أي الحوار والانفتاح والشراكة مع الآخرين…

وأما التحدي الآخر والاصعب فإنه يكمن في الشأن الوطني العام . وفي هذا المجال كان البطريرك الراعي مبادراً ولم يتأخر في فتح قنوات اتصال وحوار مع كل الطوائف والقوى السياسية والحزبية في لبنان وإلى فتح صفحة جديدة مع سوريا معلناً بكل وضوح وشفافية رغبته بأن يزورها زيارة رعوية لتفقد احوال رعيته وابناء طائفته وكنيسته مع كل الاستعداد للاجتماع بالرئيس بشار الاسد والقيادة السورية ونقل هواجس وتطلعات المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً والعمل من اجل مستقبل افضل ودور أفعل ، وليس لبحث ملفات وقضايا هي من اختصاص ومسؤولية الدولتين اللبنانية والسورية…

ولكن الملف الأكثر دقة وإلحاحاً ويكتسب صفة "المعجل" هو ملف المصالحة المسيحية ولمّ شمل سياسيو الصف الاول الموارنة تحت مظلة بكركي ومرجعيتها، ووضع حد نهائي لوضع شاذ طال أمده من المناكفات والصراعات والتحديات التي شلت القدرات والطاقات المسيحية وشتتها في كل أصقاع الارض.

عندما قدم المسيحيون إلى بكركي وفوداً وحشوداً لملاقاة البطريرك الراعي كانوا يحملون معهم ملف "المصالحة المسيحية" ويناشدون بطريركهم الجديد إنهاء حال الانقسام بين المسيحيين . لقد قرأ البطريرك الراعي ذلك في عيونهم وشعر به في همساتهم وخفقات قلوبهم . هو الراعي الذي سيرد كل القطيع إلى الطريق والحق والحياة وإلى جادة الصواب ، هو المرجع الأعلى الذي ينصاع له الجميع ولا عذر لقيادات وزعماء في عدم الخضوع لمشيئة المصالحة ولا مبرر لتأخير أو مماطلة لأن ساعة الحق والحقيقة قد دقت والبطريرك الجديد فتح صفحة جديدة و بيضاء منذ انتخابه مع الجميع ودون استثناء وهو ياتي متحرراً من أثقال واعباء سابقة ومن أحكام مسبقة، مستظلاً " الشراكة والمحبة " ومزوداً بتجربة غنية ومعرفة واسعة وقناعات راسخة.

في مواقفه وعظاته وإطلالاته قبل اعتلائه سدة البطريركية وبعده، يرسم البطريرك الراعي الخطوط العريضة والمبادىء الاساسية في كيفية مقاربته ومعالجته لملف المصالحة المسيحية منطلقاً من ان بكركي تعمل وطنياً في تحديد الثوابت والمواقف المنسجمة مع خطها التاريخي الممتد عبر مئات السنوات، وليس لها ان تشغل في السياسة وان تنزل إلى التفاصيل واليوميات. هذا ليس شأنها وانما شأن القيادات السياسية والاحزاب وأصحاب الرأي، وعلى هذه القيادات ان تتحلى بروحية حوار وانفتاح ومحبة لأن المطلوب هو إسقاط الاحقاد والبغضاء والصغائر من الذهنية والممارسة والسلوك السياسي والاجتماعي. وعلى هذه القيادات ان تحافظ على تعددية الآراء وتنوعها وغناها لأن المطلوب هو "التنوع ضمن الوحدة". وليس المطلوب ابداً ان تكون المصالحات والتفاهمات سبيلاً إلى إلغاء الفوارق والتمايزات وجعل الجميع نسخاً متطابقة أو منقحة.

فلكل مسؤول وسياسي ورئيس حزب ورئيس تيار مسيحي خصائصه وميزاته واسلوبه وهامشه في الحركة والحوار ، ولكن ليس له ان يخرج عن ثوابت وطنية ومبادىء اساسية وخط تاريخي ليفتح " على حسابه " ولمصلحته الخاصة.

لا يجد البطريرك الراعي في تعدد الآراء والاساليب سبباً يدعو إلى القلق وعدم الارتياح. ما يدعو إلى ذلك هو الانقسام المغلف بالحقد والحسابات الضيقة وانعدام روح المسؤولية. وما يدعو إلى القلق هو بقاء القيادات المارونية على هذه الحال من التشرذم والتوزع والتبعية لهذا الفريق أو ذاك ، لهذه الطائفة أو تلك… فالدور المسيحي الفاعل والمؤثر لم يكن يوماً دوراً تابعاً وملحقاً وإنما كان دوماً دوراً ريادياً وقيادياً وجامعاً… والقيادات المسيحية التاريخية لم تستمد قوتها يوماً من قوة الآخرين أو من ضعفهم، فلا يراهنّن أحد على الصراع السني-الشيعي بأن يكسب اذا ربح فريق على آخر في هذا الصراع، أو بأن يقوى اذا ضعف الفريقان لأن لا احد سيخرج من هذا الصراع رابحاً أو قوياً والكل سيكونون خاسرين وضعفاء.

ولا ينتظر أحد من البطريرك الراعي ان يكون له ومعه . بكركي ليست مع احد أو لأحد ، الجميع هم معها ومع ثوابتها ومواقفها المبدئية… بكركي ثابتة في موقعها والآخرون هم الذين يقتربون منها أو يبتعدون عنها تبعاً لاقترابهم أو ابتعادهم عن ثوابتها التي لا تحتمل تأويلاً وتحويراً . واذا حصل سوء فهم أو سوء تفسير أو سوء استغلال، فإنها تكون مشكلة السياسي الذي يرتكب الخطأ وليست بالتأكيد مشكلة البطريرك…

ومن أول الطريق يجب ان تفهم مواقف وكلمات البطريرك الراعي على حقيقتها ومقاصدها العميقة والنبيلة. فلا تصنف في هذه الخانة ولا تفسر لمصلحة هذه الفئة ولا تحشر في زاوية ضيقة . فعندما يعلن الراعي في خطاب التولية ان احتكار حزب أو فئة للبنان هو احتقار لنا جميعاً لا يجوز ان يفسر كلامه ضد حزب او فريق محدد ، وانما كل الاحزاب والقوى معنية بما يقول … عندما يرفض الاحباط المسيحي ويدعو إلى محاربته مشجعاً الشباب على الانخراط بالدولة والتشبث بالارض والقيم ، فأنه لا يضع مسؤولية الوضع المسيحي عند زعيم أو مرجع سياسي وإنما كل المسيحيين قيادات وقواعد ، نخباً وشارعا،ً يتحملون مسؤولية ما آلت اليه اوضاعهم … وعندما يشيد البطريرك الراعي بالوزير زياد بارود لا يعقل ان توضع هذه الاشادة في خانة التجاذب السياسي ومعركة الحكومة … فالبطريرك لم يفعل ذلك إلا لقناعة راسخة لديه بأن الوزير بارود يمثل قيمة وطنية وصنفاً نادراً من رجال الدولة الذين يجمعون بين الكفاءة والاخلاق والولاء للبنان الوطن والكيان والمجتمع والانسان . ولم يكن البطريرك ليخص زياد بارود بما قاله لو لم يكن متيقناً بأن هذا هو نبض الشارع وهذا هو رأي الناس به ، الناس الصادقين الطيبين الذين ينصفون بارود ويريدون استمراره في الحكومة بعدما كانت مؤسسات ومنظمات دولية اقرت بمزاياه ونجاحاته.

البطريرك الراعي كان وسيبقى عنيداً في الحق، معتصماً بالحقيقة مهما كانت صعبة. وعلى السياسيين زعماء وقيادات ان يجتمعوا تحت سقف بكركي ويلتزموا مواقفها وخطها الوطني… واذا كان من الصعب ان يتغيروا هم، على الاقل، ليغيّروا ما في نفوسهم.

اذا كان هؤلاء السياسيون محظوظين لأن الشعب متسامح معهم وغفر لهم اخطاءهم واعطاهم فرصة ثانية بعد إخفاقات كثيرة وهذا نادراً ما يحدث في تاريخ الشعوب، فأن الشعب الآن هو المحظوظ لأن العناية الالهية ارسلت بطريركاً قادراً على جمع هؤلاء السياسيين وفي يده "عصا" المصالحة وزمام القيادة الدينية والوطنية والقدرة على سد الفراغات والنواقص وعلى اعادة ما خسره الزعماء الموارنة من اعتبار وقيمة ومكانة…

ويبقى السؤال في النهاية هل يستطيع البطريرك مار بشارة بطرس الراعي تغيير الوضع الماروني القائم ومعالجة الخلافات المارونية الحادة والمستشرية؟

هل يتحقق حلم المسيحيين على يد البطريرك الراعي ويشاهدوا تحت قبة بكركي أمين الجميل وميشال عون وسليمان فرنجية وسمير جعجع مجتمعين متصالحين متفقين على الامور الاساسية واضعين المصلحة المسيحية العليا فوق كل المصالح الخاصة والذاتية؟

كل شيء وارد… أنه زمن الصوم عند المسيحيين، والروح القدس على كل شيء قدير.

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل