
ليست المرة الأولى التي تدخل فيها روسيا على خط المعضلة السياسية في لبنان، لكنها حتى الساعة لم تسجّل أي قدرة على إحداث نقلة نوعية. في زيارة مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الروسية، أمل أبو زيد إلى موسكو، سمع الرجل ما مفاده انه لا يجب أن يكون هناك ثلث معطل للتيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية في الحكومة المقرر تشكيلها، وأن روسيا لن تدخل في أي مبادرة، طالما المبادرة الفرنسية قائمة.
لكن اللافت جاء في اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في الإمارات، وصبت الإشارات الروسية في مصلحة الحريري وبنود المبادرة الفرنسية، ليعلن بعد ساعات قليلة عن توجه وفد رفيع المستوى من حزب الله برئاسة النائب محمد رعد، الى موسكو الإثنين، للتشاور مع كبار المسؤولين لا سيما لافروف، في الشأن الحكومي اللبناني والوضع الإقليمي. وبالتالي إعادة تصويب المسار الروسي في لبنان بعدما شعر الحزب وحلفاؤه بتغيير في الموقف الروسي ليس من مصلحتهم، والإيحاء من جهة ثانية، بأنه على موسكو أن تقتنع بأن الحزب يمسك بإحكام بالورقة اللبنانية، وهو القادر على تسهيل الأمور من عدمها.
ترتدي زيارة وفد حزب الله الى موسكو طابعاً مهماً وتلفت الانتباه، بحسب النائب السابق مروان حمادة، الذي يشير الى أن الإيرانيين لطالما أبلغوا الروس بالتحدث الى حزب الله وحسن نصرالله، كلما تعلّق الموضوع بالملف اللبناني، لافتاً الى أنه بعد زيارة لافروف الى الإمارات والسعودية، قررت القيادة الروسية توجيه الدعوة علناً الى حزب الله حتى تدخل معه بالتفاصيل، على الرغم من أن المفاوضات ستبقى عامة، على أن تشمل سوريا أيضاً.
يرى حمادة، في حديث لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن الجانب الروسي سينصح وفد الحزب بالتروي والاعتدال، وتخفيف الحملات الإعلامية التي يستهدف من خلالها حزب الله والمحيطين به انطلاقا من بيروت، دول الخليج وأمنه، وإذ يوضح أن موسكو باتت أقرب الى المبادرة الفرنسية، يشير الى أن جدول النقاش سيتضمن ضرورة افساح المجال أمام حكومة مستقلة في لبنان، إضافة الى قضايا اقليمية تتعلق بوجود الحزب في سوريا عشية الانتخابات الرئاسية السورية، والمؤتمر الذي سيعقد في دمشق لعودة النازحين، والذي قد تسعى موسكو الى الحصول فيه على ضمانات اكيدة، ليست فقط من رئيس النظام السوري بشار الأسد، التي تتحكم به، انما ايضا من حزب الله، لأن من دونه لن يكون هناك عودة آمنة للنازحين، إضافة الى التوتر القائم بين ايران وحزب الله من جهة، واسرائيل من جهة ثانية، من دون إغفال قرب الانتخابات الاسرائيلية وتليها الإيرانية.
ستكون جلسة مصارحة بين الجانبين، على الرغم من أن نصرالله لن يتمكن من الانتقال الى موسكو، وقد يتأتى عن هذا القاء بعض النتائج الآنية على المستوى الداخلي، كتسهيل تشكيل الحكومة، بعدما بات الروس على يقين بأنه مع النائب جبران باسيل، “فالج ما تعالج”، علماً أن الإستراتيجية الإيرانية واستطراداً ذراع حزب الله، تخضع لاعتبارات اوسع من الجدول المحلي والوفد المرسل، بحسب حمادة.
في المقابل، يدرج أستاذ العلاقات السياسية والدولية في جامعة سيدة اللويزة إيلي الهندي، زيارة حزب الله الى روسيا في خانة استثمار الوقت الضائع حتى تكون الإدارة الأميركية باشرت جدياً برسم سياستها الجديدة في المنطقة، لافتاً إلى أن الروس أسوة بغيرهم من الأفرقاء، يحاولون جمع الأوراق وترتيبها، بانتظار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية.
يُذكّر، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، بأن روسيا ومنذ سنتين تقريباً حتى اليوم، لم تتوقف عن استقبال الأفرقاء السياسيين اللبنانيين في موسكو، للإيحاء بأنها تمون على بعض الجهات، وتمسك بالقرار اللبناني، ومن ضمنه الملف الحكومي، في المقابل، يرغب حزب الله من خلال هذه الزيارة توجيه رسالة الى أميركا مفادها، “أنا أملك دعماً دولياً وقادر على التفاوض مع المجتمع الدولي، وإذا عندي شي بيعوا راح بيعوا للروس مش إلكن”.
ويرى الهندي أن التفاوض الأميركي ـ الإيراني، لن يكون فقط على الملف النووي، انما سيشمل الصواريخ البالستية، والطائرات المسيرة، والأسلحة التقليدية، ودور إيران وميليشياتها في المنطقة ومن ضمنها ورقة حزب الله التي قد تكون الأهم بالنسبة لإيران، مستبعداً تشكيل حكومة قريباً، لأن شروط الحزب واضحة، وقد باتت المشكلة في استعداد الفرنسيين والرئيس المكلف بقبول الشروط التي يطرحها الحزب. ويضيف، “حزب الله غير مستعجل على تشكيل حكومة، وهو مستعد لربطها بالمفاوضات الإيرانية ـ الأميركية، لأن أولوياته في مكان آخر”.
ويؤكد أن إيران لن تقبل بأن تُرمى سوريا في الحضن الروسي ـ الإسرائيلي، حتى لو حاول الأسد ايجاد موقع لنفسه خارج السيطرة الإيرانية الكاملة، وهو لن يتمكن من السير بما لا تقبل به طهران، الأمر مماثل بالنسبة الى الروس الذين لن يتخلوا عن نفوذهم في المنطقة، إلا أن ذلك لا يشترط تفاوضاً سورياً مع اسرائيل.
