سؤال يطرح نفسه على الجميع، ولا إجابات واضحة.
معارضو النظام السوري "يجزمون" بأن هذا النظام "ساقط لا محالة تحت ضربات الإنتفاضة الشعبية التي استبدلت فورا شعاراتها لتصبح شعارات مناهضة للنظام ".
الموالون للنظام من جهتهم، يصارعون، كل من لا يوافق معهم على أن حكم الرئيس بشار الأسد، يملك ما يكفي من مناعة ليتجاوز " فيروس الثورات".
ولكن، ماذا يقول الحياديون، في الإجابة عن هذا السؤال؟ وما هي أوجه الشبه بين "الثورة السورية" والثورة المصرية واين أوجه التباعد؟ وهل الحالة السورية هي أقرب الى الحالة الليبية حيث أثبت الزعيم معمر القذافي ، على الرغم من دخول حلف شمال الأطلسي على الخط، قدرة هائلة على الصمود؟ وما هي الفوارق بين ليبيا- على المستوى الدولي- وبين سورية؟
أسئلة طرحناها، على متابعين غربيين، وتوصلوا الى جملة تصورات متداخلة ومتقاطعة وأحيانا متنافرة، إنتهت الى اعتبار أن وضعية سورية هي وضعية "متمايزة" عن وضعية غيرها من الدول العربية التي اجتاحتها الثورات.
التشابه مع مصر
في اعتقاد هؤلاء، إن الدينامية الشعبية التي سبّبت اندلاع الثورة في سورية شبيهة بالدينامية التي سبّبت الثورة في مصر للأسباب الآتية:
* الثورة المصرية إنطلقت من السويس، بعيدا من العاصمة، وكذلك الثورة السورية إنطلقت من درعا.
* القمع الذي لقيه المتظاهرون طوّر شعاراتهم، على اعتبار أن إسقاط الدماء لم يخفت الأصوات بل زاد حدتها، لا بل جعل من الناس العاديين "فدائيين".
* إمتدت الثورة المصرية لاحقا الى مدن ومحافظات جديدة، وهذا ما حصل في سورية.
* كانت دور العبادة مقر انطلاق التظاهرات في مصر، تجاوزا للقمع، وهذا ما يحصل في سورية.
الإختلاف عن مصر
ولكن هؤلاء المتابعين للثورات العربية ، يعتبرون أن هناك فوارق حاسمة بين الحالة المصرية وبين الحالة السورية، وفق الآتي:
*في مصر، هناك حرية إعلام بالمقارنة مع غياب هذه الحرية نهائيا عن سورية.
* في مصر، هناك جيش قوي يملك بذاته كل مقدرات القدرة، في سورية الجيش السوري هو "أفقر" الأجهزة الأمنية، وهو "ممسوك" بقيادات تنتمي كليا الى النظام الحاكم، حتى لا يقال الى الطائفة الحاكمة.
* في مصر، هناك قيادات مصرية تملك الجاهزية لاجتياح وسائل الإعلام، من دون القدرة على ضبطها، بفعل حرية الحياة الحزبية، بالمقارنة مع سورية حيث تنعدم الحرية الحزبية، ولذلك فإن الإطلالات التلفزيونية المعبرة عن الثورة محصورة بحفنة من الاشخاص، ممن يعيشون خارج البلاد.
* في مصر، الكثافة السكانية أكبر بكثير مما هي عليه في سورية، وبالتالي فكل تظاهرة تحدث الفرق، خصوصا مع التقاء "الثوار" مع قوى المعارضة الفاعلة.
التشابه مع ليبيا
ويعتبر هؤلاء المتابعون أن الفوارق بين وضعية مصر ووضعية سورية، يجعل سورية أقرب الى الوضعية الليبية، سواء على مستوى توزيع القوة والأجهزة الأمنية وأنواع القوى الموجودة للدفاع عن النظام وخلافه.
الإختلاف مع ليبيا
إلا أن هناك اختلافا كبيرا عن ليبيا، فالسوريون، وربما بفعل التاريخ وطبيعة منطقتهم، ليسوا تقسيميين، ودولتهم المركزية قادرة على الوصول الى كل البقاع، وتاريخ بلادهم تاريخ وحدوي، ولم يتدخل مستعمر أو محتل، من أجل توحيد أجزائها بالقوة، كما حصل في ليبيا على أيدي الإيطاليين، بل العكس هو الصحيح، إذ يشكو السوريون تاريخيا من سلخ ولايات تابعة، كبعض الأقضية اللبنانية، وكلواء إسكندرون التابع حاليا لتركيا.
الوضع الدولي
والعامل الدولي ، في اعتقاد المتابعين للثورات العربية، تصب في مصلحة النظام الحاكم في سورية، حتى إشعار آخر. يؤكد هؤلاء أن العلاقة الدولية بسورية تغيّرت، بعد اندلاع الثورات العربية. ويشيرون الى دراسات تجزم بأن السياسة الفرنسية التي كانت "أم الإنفتاح" على سورية هي بدورها، إنقلبت رأسا على عقب، مع مجيء الرجل القوي آلان جوبيه الى وزارة الخارجية الفرنسية وانتقال "مفتاح سورية" في الرئاسة الفرنسية كلود غيان الى وزارة الداخلية. ويشير هؤلاء الى أن الرئيس باراك أوباما، وفي ضوء الثورات العربية، أصيب بنكسة في استراتيجية الإنخراط التي اتبعها تجاه سورية، حتى أن وسائل الإعلام الأميركية التي كانت تعطي حيّزا واسعا للدفاع عن سورية، إتجهت، في الايام القليلة الماضية الى الوقوف في وجهها. إلا أن هذا الإنقلاب في الموقع الدولي، لا يعني أن النظام السوري حاليا في الزاوية، بل يمكن التأكيد أنه "تحت المراقبة" لا أكثر ولا اقل.
وفي اعتقاد المتابعين إياهم، فإن العوامل المساعدة لسورية لتخفيف اندفاعة المجتمع الدولي ضدها، تتجسد في الآتي:
*الورقة الليبية: إن السلوكية الدولية تجاه ليبيا، أظهرت حتى الساعة عجزا عن الحسم، مما جعل القوة العسكرية في خدمة الخطط الدبلوماسية، وبالتالي صار الرهان أن ينتج الضغط العسكري تفكيكا للنظام، لا أكثر ولا اقل.
وإذا كانت لعبة المصالح حتمت اللجوء الى القوة في ليبيا البترولية، فإن لعبة المصالح في سورية غير البترولية، ستخفّف كل حوافز الإندفاعات.
*التجربة المصرية: في التجربة المصرية، كان الجيش هو البديل عن حكم الرئيس حسني مبارك، نظرا للعلاقة التحالفية التي كانت قائمة بين مصر والولايات المتحدة الأميركية، الأمر غير المتوافر في سورية، حيث لا توجد قيادات من داخل النظام قادرة على أن تلعب دور البديل عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
* التجربة التونسية: وضعية الجيش فيها شبيهة بوضعية الجيش المصري، فكان هو رهان الغرب لاستبدال الرئيس زين العابدين بن علي.
* الواقع السوري: النظام السوري، هو نظام "محاوِر " للولايات المتحدة الأميركية وللغرب عموما، وليس نظاما متأثرا بهذا الغرب، ولذلك فإن تاثير إيران على بنية النظام هو الحاسم، بفعل التعاون القائم بين جيشي البلدين.
وإذا كانت واشنطن قد خشيت الوقوف في وجه الثورة المصرية لئلا تتحول هذه القوة التي تربطها معاهدة سلام مع إسرائيل إلى حالة معادية للولايات المتحدة الأميركية، كما حصل مع إيران ما بعد الشاه، فإن الوضعية الإستراتيجية للغرب في سورية يوفرها نظام الاسد، على اعتبار أن بدائله مجهولون، في حين أن الفوضى كبديل هي جاذبة للحروب. وهذا ما تعبّر عنه إسرائيل بوضوح، ليس حاليا فقط بل منذ العام 2005 ايضا، بحيث تحوّلت القدرات الإسرائيلية الى قدرات تعمل لمصلحة إستمرار النظام السوري الحالي.
من هنا الى أين؟
ينتهي المتابعون الدوليون الى خلاصات عدة، ومنها الآتي:
أولا، إن كل كلام في سورية عن وجود مؤامرة خارجية، لا قيمة له، على اعتبار أن كل الخارج، سواء الجوار اللبناني، أو الجوار الخليجي أو المشاطأة الأوروبية أو المصالح الأميركية، لا تفتش حاليا عن تغيير النظام في سورية. وفي مطلق الأحوال، لا تملك السلطات السورية اي قرينة لتوكيد دعايتها السياسية المتمحورة حول المؤامرة، سوى تغطية إعلامية خجولة تقوم بها بعض وسائل الإعلام، ومن شأن أصغر مراقب، في حال قرّر المقارنة بين التغطية الإعلامية لما حصل في مصر وتونس، مثلا، بما هو حاصل في سورية، يكتشف أن نظام الاسد هو نظام مدلل… جدا.
ثانيا، إن مختلف المستويات السورية التي تتصل بها السفارات الغربية في دمشق، تتمنى أن يحدث الأسد تغييرات في نظامه، تمنع تغييرات دراماتيكية، على اعتبار أن التشابه مع النظام الليبي يخيفهم جدا.
ثالثا، إن المجتمع الدولي يريد أن ينقذ الرئيس السوري بشار الأسد نظامه بإصلاحه، ولذلك كانت ردة فعله قوية على الخطاب "المخيّب للآمال" الذي القاه في مجلس الشعب.
رابعا، إن مهمة الشعب السوري الثائر مهمة صعبة، وفي حال تمكن من مواصلة الضغط فهو بالتأكيد سيتمكن من قلب الأولويات، ولكن على قاعدة تأكيده أنه يملك ما من شأنه توفير الإستقرار في المرحلة اللاحقة.