وحدهم الحمقى هم الذين يعتبرون ان المشهد العربي لم يتغير الى درجة يمكن ان تؤثر على الواقع اللبناني. ووحدهم قصيرو النظر من لا يرون ان الصورة في لبنان تغيرت ايضا في الداخل بشكل كبير في الشهرين الاخيرين. وحدهم الغارقون في تبعية عمياء لبعض الخارج من لم يفهموا بعد ان احداث المحيط المباشر، اكان في الخليج العربي ام في سوريا لم تقلب المعطيات رأسا على عقب. فالمعطيات التي على اساسها بني قرار اطاحة الحكومة الحريرية في منتصف كانون الثاني الفائت تبدلت بشكل كامل. فلا "حزب الله" المتورط حتى نخاعه في صراع عربي – ايراني في الخليج، والمُثقِل على القطاع المصرفي بقوة، عاد يمثل ضماناً وقوة لأي حكومة مقبلة، ولا مظلة الرئيس السوري بشار الاسد عادت كافية لحماية الحكومة عربيا او دوليا او حتى داخليا.
نقول هذا الكلام وقد ادى تكليف نجيب ميقاتي بالطريقة المعروفة القائمة على الترهيب بالسلاح والعنف الى ردة فعل داخلية عارمة تجلت في خروج مئات آلاف اللبنانيين الى الشارع في 13 آذار الماضي رفضا للسلاح ودعما للعدالة لشهداء "ثورة الارز". كما تجلت في ردة فعل شمالية في عرين ميقاتي اثبتت ان البيئة التي ينتمي اليها هذا الاخير لن تقبل بأن يعين "حزب الله" رئيس الحكومة في لبنان رغما عن بيئته.
اكثر من ذلك، تبين بالملموس ان تحكُّم "حزب الله" في السلطة يجلب نتائج كارثية على البلد: ففي قضية البنك اللبناني – الكندي ابلغ الادلة على ان تبييض اموال الحزب من شأنها تصفية مصرف في اقل من ثلاث ساعات، وبالتالي فإن كل تعامل مالي مع الحزب ولمصلحته يعرض اصحابه لملاحقات ولوائح سوداء في العالم بدءا بالمغتربات الافريقية وصولا الى الساحة الاميركية اللاتينية حيث يتحرك الحزب، بما يجعله مصدر تهديد لآلاف اللبنانيين في كل مكان. وعلى المقلب الآخر تبدلت الصورة عند الراعي الآخر للانقلاب على الحكومة، اي الحكم السوري الذي يكتشف يوما بعد يوم قوة الشارع الرافض لاستمرار الديكتاتورية المخابراتية، والذي لم يسعفه حتى الآن قتل المواطنين العزل في المساجد والشوارع والساحات، ولن يسعفه، مثلما لم تسعفه اسطوانة "الممانعة" التافهة.
تغيرت المعطيات كلياً، وصار لزاماً على الجميع اعادة التفكير في حلول جديدة. والبداية بالعودة عن الانقلاب.