مخاوفه ليست جديدة ولمح إليها في لقائه وأحمدي نجاد
موقف الحريري من إيران "ليس افتعالاً وإنما رد فعل على الاستدراج"
ما بين الموقف الناري لرئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري من التدخل الايراني في لبنان والمنطقة وردّ رئيس الوزراء المكلف لـ"حزب الله" نجيب ميقاتي باعتباره هذا الموقف غير معبر عن ارادة لبنانية جامعة وردّ الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، بدا المشهد السياسي الداخلي يخطو خطوات متقدمة نحو الانخراط الفعلي في سياسة المحاور التي تجسد القوى اللبنانية مكوناتها الاساسية، ليخرج لبنان عمليا من سياسة الحياد التي تحصن بها في الحد الادنى حيال تطورات المنطقة العربية مُهددا باخطار التحول الى ساحة صراع مع ما تحمله مثل هذه الاخطار من تهديد للاستقرار السياسي والامني الهش الذي لا يزال يتمتع به.
ولكن هل أقحم لبنان نفسه عبر مواقف قياداته السياسية في هذا الوضع ام انه استدرج اليه؟
صحيح ان لبنان ليس بعيدا عما يدور حوله وخصوصا بعدما بلغت نار الثورات الحدود السورية. الا ان مخاوف تولدت لدى قيادات سياسية في قوى الرابع عشر من آذار حيال استغلال الساحة الداخلية اما لنقل الصراع اليها واما لتشتيت الانظار عن ساحات اخرى. وقد استشعرت القيادات عينها هذه الاخطار من تسلسل الاحداث الامنية التي بدأت بخطف الاستونيين وصولا الى حوادث سجن رومية، مشيرة الى ان الخوف ليس نابعا من احتمال انتقال العدوى الى الداخل اللبناني باعتبار انها غير متوقعة لأكثر من سبب وانما خوفا من نقل الاضطراب الى الساحة اللبنانية لتحويل الانظار عما يشهده الداخل السوري في ظل عجز النظام عن ضبط الاوضاع.
وقد لا يرحب عدد من حلفاء الحريري بمواقفه التصعيدية حيال مسألة خطر الهيمنة الايرانية على لبنان وان كان هؤلاء يتفهمون، على ما تقول اوساطهم، دوافعها ومبرراتها باعتبار ان هذه الهواجس كانت دائما حاضرة في وجدانه وقاموسه وان لم يخرجها الى العلن بهذا الشكل وبهذه الحدة الا بعد خروجه من السلطة وبلوغ المواجهة السنية – الشيعية ذروتها على خلفية تطورات البحرين.
وفي هذا المجال تؤكد المعلومات المتوافرة من مصادر قيادية في تيار "المستقبل" ان موقف الحريري "لم يكن افتعالاً بل مجرد رد فعل على المحاولات الجارية لاقحام لبنان في المحور الايراني".
وتذكر هذه المصادر بأن تلك المحاولات لم تكن خافية عن زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد لبيروت في منتصف تشرين الثاني الماضي عندما دعا الى استعمال لبنان قاعدة متقدمة لايران على غرار قواعدها التي تسعى الى نشرها في المنطقة مما يعرض مصالح لبنان للخطر.
وفي ما يشبه الرد المبطن على كلام الرئيس المكلف، افادت المصادر عينها ان الحريري أعرب خلال لقائه الرئيس الايراني عن مخاوفه هذه مبديا رفضه تحويل لبنان الى محمية ايرانية. وثمة من ربط بين اسقاط حكومة الحريري في كانون الثاني الماضي ورفضه شروطا ايرانية بهذا المعنى كانت موضع بحث خلال زيارة نجاد لبيروت. والمعلوم ان العلاقات العربية – الايرانية كانت استأثرت بجزء من مناقشات خلوة الحريري ونجاد.
واذ تؤكد المصادر عينها ان مواقف الحريري من هذه المسألة جاءت بمبادرة منه تحت وطأة مناخ عربي وخليجي ضاغط تلمس حدته خلال زياراته لعدد من الدول والتي جاءت اساسا بناء على دعوة منها بهدف التشاور، رأت انه كان يمكن ايصال الرسالة عينها وانما بطريقة اقل تصعيدا منعا لاستغلالها في السجال السياسي الداخلي، مشيرة الى ان على فريق الرابع عشر من آذار من آذار وتحديدا تيار "المستقبل" الا يقلل من اهمية التزامه الصراع مع اسرائيل بحيث لا يترك المجال مفتوحا أمام ادعاءات التخوين التي تصدر عن الفريق الخصم الذي يحتكر العداء لاسرائيل لنفسه.
لقد فتح الحريري في فترة قياسية تقاس منذ خروجه من السلطة وتحرره من موجبات حكومة الوحدة، معركتين في آن واحد: الاولى ضد سلاح "حزب الله" المصوب الى الداخل، والثانية ضد ايران ومحاولتها تحويل لبنان الى محمية او قاعدة لها.
وأياً يكن رأي الحلفاء الذي لا يخالف رأي زعيم المعارضة، فان ثمة بينهم من يرى انه من التسرع فتح المعركتين في وقت واحد، لكن ثمة في المقابل من يرى ان الامر جاء نتيجة عاملين مقلقين:
– الاول التوجس الايراني من التداعيات السياسية لاحداث البحرين وما رتبته من موقف موحد لدول مجلس التعاون الخليجي مما رفع مستوى المواجهة الى أعلى مستوى لها منذ تفجر الصراع السعودي الايراني.
– الثاني الارتباك السوري الداخلي في ظل انفلات الاوضاع من القبضة الامنية والعجز عن ضبطها مقابل ضغوط دولية من شأنها اعادة الوضع السوري الى المربع الاول اذا لم يضع قطاره على سكة الاصلاح، مما يجعل الوضع اللبناني مفتوحا على كل الاحتمالات في ظل انكشاف امني واضح وغياب سلطة تنفيذية قادرة على اتخاذ القرار.