#adsense

هرعت الوالدة حافية إلى ساحة الحرب تندر عودة ولدها فكان جوابه: لا تخافي يا أماه وعودي إلى المنزل، لم تنته مهمتي بعد

حجم الخط

إختطف 145 يوم ولم يستسلم وعاد إلى ساحة المعركة

"تعجز الكلمات عن وصف ما رأيناه في ظل الحرب اللبنانية" ، "مآسي عمّت لبنان كله ومجازر لحقت بالأبرياء والأطفال بسبب طمع الدول الغريبة لسماء وهواء لبنان"، "كانت الميلسشيات هي القوى القتالية المسلّحة بعد إنهيار الدولة ومؤسساتها العسكريّة"، "تركت الحرب وراءها آثاراً مدمّرة وتغييراً للملامح الحضارية للوطن وزرعت ذكريات مؤلمة وقاسية لكل من كان يحارب خوفاً أن يسلبه الغريب أرضه". عبارات، القلائل إستطاع أن يستمع إليها ليعرف مجريات وحوادث الحرب اللبنانية الأهلية بأدق مراحلها ولحسن حظي أنا من بينهم لأنني عشت في منزل مقاوم، صاحبه كان من إحدى المناضلين والمحاربين وبقوة عن القضية ومن الذين ما أن أبصروا النور، حملوا السلاح للدفاع عن وطنهم وعائلتهم، وإندفعوا بكل قوتهم لمحاربة العدو .
** ** **
من عمر السابعة عشر ، حمل والدي البندقية ووجهها صوب من يريد سلب الوطن ودافع بكل جرأة للحفاظ على الـ 10452 كلم2. وكان يقول لي دوماً: "من له وطن له كرامة"، "وإن عادت الحرب سأحمل السلاح وأقف بوجه الأعداء" . فالعبرة التي أخذتها من الحرب الأهلية كانت ولا تزال حتى ساعة موتي، النضال حتى الإستشهاد إن لزم الأمر، لأنّ الأوطان لا تبنى إلا بالتضحيات.

ويقول عن الحرب ، لم أعش مراهقتي كسائر الشباب هذه الأيام بل كنت أكبر على أصوات الدبابات والرصاص وبكاء الأمهات ومناظر لا ترغب العين أن تراها يوماً. بدأ مشواري مع حزب الكتائب اللبنانية منذ 3 نيسان 1975 والتحقت بـ"القوات اللبنانية" بعدها ومشيت فيها مع الرفاق الدرب الطويلة المليئة بالألم والأسى والنضال والتضحية ".

وتابع قائلاً: "أفتخر بذاتي لأنني كنت من الذين حاربوا بوجه الطغيان والإحتلال وجيوش الأعداء، ولكن أطلب المسامحة من الله على محاربتي أخي الإنسان، ومن عائلتي لأنني جعلتهم العين الساهرة دوماً، لأنني لا أنسى ولن أنسى مشهداً محفوراً في ذاكرتي لدى رؤيتي والدتي في قلب المعركة في حرب الأسواق التجارية سنة 1976 تركض تحت القصف متوجهة نحوي وعينيها الخائفتين تحملان نظرة الغضب والملامة ودموع تزرفها على خديها وتقول عد إلى منزلك وعائلتك. ولكن حبي لوطني وللقضية ووفائي للشهداء الأبرار دفعني أن أودع والدتي وأقول لها عودي إلى المنزل ، لم تنته مهمتي بعد" .

وأضاف والدي: "كانت الحرب صعبة علينا جميعاً ومتعبة لبعضهم ومحزنة لبعضهم الآخر ولكن، كنا على إقتناع بما نقوم به وبكل أمر عسكري طلب منا لأننا كنا نريد تحقيق الهدف. خسرنا رفاقاً كثر في هذه الحرب وأصحاب القضية وأبرزهم الشيخ بشير الجميّل الذي زرع في نفوسنا العنفوان والإندفاع والقوة لمحاربة العدو ولنتحمّل الصعوبات وكان في كل إجتماع مع الرفاق يعم الطمأنينة والعزم في نفوسنا لإستكمال طريق الجلجلة للوصول إلى القيامة ".
** ** **
الحرب، كلمة ويا ويلاه من تلك الكلمة، حروف صغيرة ودمار كبير وتشريد وتخريب وقتلى وجرحى وأضرار لا تحصى.

زحلة ، من إحدى المناطق التي شهدت معارك عنيفة وأشرسها مع الجيش السوري بعد إنفجار الوضع الأمني في نيسان 1981، وكانت حرب الـ 100 يوم تحمل في ذكراها أصعب الظروف للحرب حيث أنّ العديد من الرفاق قد إستشهدوا ، والكثير منهم قد خطفوا ولكن بقيت زحلة أبيّة وصامدة بوجه الإحتلال رغم محاصرتها من قبل بلطجيّة ذلك الزمان. هذه المعركة أظهرت صوابية قرار توحيد البندقية، ولكن لا ننكر أنها كانت الأصعب. ففي هذه الحرب، لا أنسى موقفاً صعباً لدى توجهنا من زحلة نحو عيون السيمان في فصل الشتاء وتحت الثلوج وتدني درجات الحرارة وصعوبة المشي بسبب الطرق الوعرة حاملين الأسلحة والذخائر. ولكن، مع كل إنتصار نقوم به مع الرفاق تكون لحظة تاريخيّة ترسخ في ذاكرتي ولا أنساها أبداً .وفي هذه الحرب، كانت الذكرى المؤلمة على عائلتي بسبب إختطافي من قبل الجيش السوري وبقائي 145 يوماً في فرع فلسطين في مزّة وكانت هذه المرحلة الأصعب في حياتي. وأذكر أنها كانت الشرارة الأولى لإنطلاقة حرب زحلة 100 يوم بسبب سلسلة الإعتقالات من قبل الجيش السوري لللبنانيين".

وأضاف: "لم تكن ساحة قتالي الوحيدة منطقة زحلة، بل إنتقلت إلى الجبل مع الرفاق حيث شهدت هذه المنطقة حرباً عنيفة بين 1982 و1983، وهنا يسكت الكلام، لأنّ الحروف لا تعبر عن الحقيقة. أشهد أمام الله أنّ من قاتل في معركة الجبل يستحق أن يقول انّه لبناني وبفخر".

وتابع ابي: "من لم يكن في صلب الحرب لن يدرك أبداً مآسي الحياة الصعبة على كل مواطن يصل إلى فقدان وطنه. ولكنني كنت مناضل لمهمتي منذ بداية الحرب، ولم أتراجع يوماً عن أهدافي ومبادئي ولو عاد الزمن إلى الوراء لكنت حملت السلاح مرّة جديدة في 13 نيسان 1975 لأنّه هذا السلاح أعطاني قيمتي ورمزيتي أمام العالم بأسر:ه .

وأوضح والدي: "في زمن الحرب لم نحقق القضية كاملة ولكن بعد ثورة الإستقلال الثانية إستطعنا الحصول على إنسحاب آخر جندي أجنبي من لبنان لأنّ قضيتنا كانت سيادة وإستقلالية الدولة اللبنانية .وما يضحكني أحياناً، يسألني أصدقائي إن كنت أقبل أن أحمل السلاح مرة جديدة أمام الأعداء، فقلت لهم ، من كان له كرامة يوماً، لن يدنسها ولو كان سيضحي بأغلى ما لديه في الحياة".

وأشار إلى أنّ "الإنقسام السياسي والظروف الضاغطة يمكن أن تولد حرباً جديدة وإشعال فتيلة الحرب مرة جديدة، ومن يحمل السلاح اليوم وفي هذه الظروف يكون يصب الزيت على النار".

شكلت الحرب اللبنانية الأهلية خللاً كبيراً في المجتمع ونشرت ثقافة القتال والخوف والقلق والهجرة مما قد عطل الأجيال التي عاصرت الحرب عن التواصل مع الحياة وقد إمتدت لتؤثر على بقية حياتهم. فهل تدركون أيها الجيل الصاعد مدى خطورة الحرب والمعانات التي ستتربص في حياتكم وتجعلكم كوالدي تحملون السلاح في عز شبابكم؟


بقلم كارول تنوري

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل