#adsense

بعد إسقاط حكومة الوحدة إستناداً إلى التوهّم بإختلال موازين القوى لصالح التحالف السوري الإيراني… “اللواء”: تشكيل الحكومة يدخل في خضمّ الإنقسام الداخلي وتداعيات موجة الإحتجاجات العربية

حجم الخط

كتب معروف الداعوق في "اللواء": ما تزال عملية تشكيل الحكومة الجديدة تراوح في دائرة الانقسام السياسي الداخلي الحاد الذي قسَّم الوسط السياسي والشعبي إلى نصفين شبه متقاربين لدى قيام التحالف السوري – الإيراني بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية من جانب واحد نهاية العام الماضي، ثم تحوّل الانقسام إلى خلافات حادة بين أطراف الأكثرية الجديدة في ما بينها لتعذّر الاتفاق في ما بينها على رؤية متقاربة للقرار السلطوي في الحكومة العتيدة، ومحاولة أكثر من طرف فيها الاستئثار بهذا القرار لمصالحه الخاصة على حساب الآخرين، مع انحسار ملحوظ لقدرة المرجعية الاقليمية لهذه الاكثرية المصطنعة وتحديداً دمشق في ممارسة تأثيرها الفاعل والمعتاد على هذه الأطراف للاتفاق في ما بينها ووضع حدٍّ لخلافاتها المستشرية، بسبب الانشغال بمحاولة استيعاب حركة الاحتجاجات الشعبية التي طالت معظم الأراضي السورية في الوقت الحاضر، إضافة إلى دخول عامل تصاعد الخلاف العربي – الإيراني على نحو لم يسبق له مثيل، إن كان في الخليج العربي أو غيره بشكل مستجد على أزمة تشكيل الحكومة الجديدة، مما زاد في تعقيدات إخراجها الى حيّز الوجود قريباً.

ويُلاحظ أن كل المحاولات الجارية لتذليل الصعاب والعُقد من طريق عملية تشكيل الحكومة الجديدة، تصطدم بتفاعلات الانقسام السياسي السائد بين اللبنانيين، بالرغم من ادعاءات بعض القائمين على عملية التشكيل بقدرتهم على تجاوز هذا الانقسام أو التقليل من آثاره السلبية على الحكومة ككل في حال تشكيلها مستقبلاً، لا سيما وأن هناك إصراراً ملموساً من قبل أكثر من طرف فاعل في الأكثرية الجديدة وتحديداً محور <حزب الله> و<التيار العوني> على محاولة الاستئثار بالقرار داخل الحكومة الجديدة والإمساك بزمام العمل الحكومي لمصلحته على حساب الأطراف الأخرى وتحديداً رئيسي الجمهورية والحكومة كما ظهر ذلك بوضوح من خلال المطالبة بأكبر حصة وزارية في التركيبة الحكومية المرتقبة، مما يجعل إمكانية الاتفاق على تشكيل الحكومة العتيدة صعباً أو حتى متعذراً إذا استمرت شروط ومطالب المحور المذكور على حالها، لأنه يبدو أن الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي ليس مستعداً لوضع رقبته تحت سيف هذه المطالب ليكون بمثابة رئيس حكومة شكلياً وغير قادر على ممارسة صلاحياته الدستورية أو جسر عبور لمصالح الآخرين على حساب رصيده السياسي وحساب الدولة ككل مهما اشتدت الأزمة الحكومية وطال أمدها.

ولا شك أن هذا الانقسام السياسي الحاد بات يتطلب جهوداً غير اعتيادية وقدرة مميّزة لإيجاد تركيبة حكومية غير تصادمية على الأقل والتعالي فوق كل الحزازات والنوايا الخبيثة المبيّتة لأي طرف في تحالف الأكثرية الجديدة يروج لتنفيس أحقاده الشخصية ومسيرة فشله السياسي التاريخية ضد خصومه كما يفعل التيار العوني وحليفه <حزب الله>، وذلك لإبعاد عوامل الاحتقان السائدة حالياً داخل الوسط السياسي عموماً والعمل على توفير الأجواء المؤاتية لولادة حكومة مقبولة تكون قادرة على الانطلاق في مهماتها بهذه الظروف الدقيقة والصعبة التي يمر بها لبنان والمنطقة العربية عموماً بأقل قدر من التفاعلات السلبية ريثما تعود الأوضاع السياسية الداخلية إلى هدوئها واستقرارها الطبيعي.

ولا شك أن ظرف توسّع الاحتجاجات الشعبية التي تعمّ سوريا في الوقت الحاضر، قد دخل عاملاً إضافياً على واقع عملية تشكيل الحكومة الجديدة وزاد في تعقيداتها خلافاً لادعاءات أطراف التحالف السوري – الايراني الذين يروّجون لفكرة أن دمشق ليست في وارد ممارسة ضغوطها المؤثرة على حلفائها في الوقت الحاضر لتسريع تشكيل الحكومة الجديدة، ليس لأنها غير قادرة على ممارسة هذا الدور الذي اعتادت عليه من قبل وبتشجيع من هؤلاء الحلفاء، وإنما لأنها لا تريد إثارة بعض الأطراف الإقليميين والعرب الذين تولوا مهمة رعاية الوساطة الأخيرة لحل الأزمة القائمة بين النظام السوري ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري في الأشهر الماضية كتركيا وقطر والمملكة العربية السعودية تحديداً، نظراً لتأثير هذه الدول على الوضع الداخلي في سوريا وحرصاً على استمرار العلاقات القائمة معها. ولذلك تستمر التجاذبات والمماحكات السياسية حول الحصص والمقاعد الوزارية في الاتصالات والمشاورات الجارية بين أطراف الأكثرية الجديدة من دون الامكانية للتوصل إلى نتيجة نهائية وحاسمة في عملية التأليف حالياً، بانتظار جلاء زوبعة الاحتجاجات في سوريا ونتائجها السياسية ومؤثراتها على الوضع اللبناني خصوصاً، في حين أن بعض المراقبين السياسيين يعتبرون مثل هذه الادعاءات إنما هي لأجل إيجاد الذرائع غير المقبولة أساساً لتبرير تخبط أطراف الأكثرية الجديدة في عملية التأليف ولإخفاء العوامل الحقيقية المتمثلة بعدم قدرة المرجعية الإقليمية في طهران ودمشق على ممارسة نفوذها الفاعل والمؤثر التي ارتكزت عليه لإسقاط حكومة الوحدة الوطنية من قبل، لدفع كل الأطراف المنضوين تحت لواء الأكثرية الجديدة المتحالفة شكلاً والمختلفة مضموناً لتجاوز خلافاتهم وطموحاتهم باتجاه تسريع عملية تأليف الحكومة العتيدة بأقرب فرصة ممكنة.

ولم تقتصر التعقيدات التي تواكب عملية التأليف على هذه العوامل المذكورة، بل استجد عامل تصاعد الخلافات العربية – الايرانية بعد محاولات التدخل الايرانية المفضوحة في مملكة البحرين ودولة الكويت وغيرها وتوسّع هذا الخلاف ليشمل الخليج العربي ككل وإمكانية امتداده للبنان بفعل وجود <حزب الله> الموالي لإيران بعد الموقف التصعيدي الأخير للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ضد البحرين وردود الفعل السلبية عليه من أكثر من شخصية سياسية لبنانية وخليجية، ليزيد من التعقيدات التي تلف عملية تشكيل الحكومة العتيدة ويرخي بتداعياته السلبية عليها نظراً للعلاقة الجيدة التي تربط العديد من السياسيين في تحالف الأكثرية الجديدة وغيرها مع دول الخليج العربي وتحديداً المملكة العربية السعودية وقطر وغيرها وبالتالي لا يمكنها تجاوز التأثيرات السلبية لما يحصل.

ولذلك، فإن مبادرة التحالف السوري – الايراني بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية حصلت في الأساس ضمن إطار التجاذب الاقليمي والعربي والدولي على أساس أنه يمكن لهذا التحالف بسط سيطرته والتحكم بمفرده بالسلطة السياسية في لبنان متوهماً بقدرته على إقصاء تحالف الرئيس الحريري وقوى 14 آذار عن السلطة في ضوء موازين القوى السائدة آنذاك وأنه بالإمكان تجاوز واقع الانقسام السياسي بأقل قدر من الخسائر السياسية• ولكن مع تنامي رفض تحالف قوى 14 آذار وقواعدهم الشعبية لهذا الواقع واتساع حدة موجة الانتفاضات الشعبية العربية إلى دول لم يكن متوقعاً أن تشملها كليا وسوريا وغيرها ومسارعة دول الخليج العربي لتصعيد المواجهة مع التدخل الإيراني في المنطقة العربية وتضامن سوريا مع هذه الدول لتأييد التدخل الخليجي في البحرين، كل هذه العوامل أضعفت عملية الانقضاض على الواقع السلطوي في لبنان وأربكت حسابات القائمين على عملية تشكيل الحكومة الجديدة الذين يتخبطون اليوم في مأزقهم الحالي.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل