#adsense

لبنان أولا أو الحرية أولا

حجم الخط

كتب شارل جبور: رب قائل إن لا تناقض بين العنوانين، وهذا صحيح، باعتبار أن ما أعطى لبنان هذه الميزة التفاضلية عن سائر دول المحيط هو الحرية زائد العيش المشترك، ومن دون هذه الحرية ينتفي مبرر وجود لبنان دورا ورسالة، ولكن المقصود بالمفاضلة المطروحة أعلاه أمر مختلف تماما، وقبل تفصيله ينبغي المرور سريعا وبشكل مبسط على معنى "لبنان أولا"، أي في حال حصل تناقض بين المصلحة اللبنانية وأي مصلحة أخرى أكانت سورية أو عربية أو إيرانية أو غربية تبقى الأولوية للقضية اللبنانية، وهذا من دون إغفال أن ثمة وجهة نظر وازنة، ولا سيما داخل البيئة المسيحية، تنطلق من معادلة "لا شرق ولا غرب"، وتقول بتحييد لبنان عن صراعات الخارج وتناقضاته وإقفال النافذة اللبنانية أمام الرياح الخارجية وتركيز الجهود والهموم على القضايا اللبنانية البحتة من دون الالتفات إلى ما يجري من حولنا.

لقد كنت، وفي فترة زمنية معينة، من أنصار هذه النظرية ومن المؤمنين بلبنان أولا على أساس هذه الخلفية، ولكن ما أثبتته الحوداث التاريخية هو أن مشروع "لبنان أولا" لم ينجح، حيث استمر هذا البلد منذ نشوئه بصيغته النهائية، أي لبنان الكبير، يتخبط بأزمات متتالية، ما تكاد تطوى أزمة حتى تفتح أخرى، وهكذا دواليك، والسبب ليس عائدا إلى تنوع المجتمع اللبناني، هذا التنوع الذي وفر الديمقراطية بحدودها المعروفة، وحال، ويا للأسف، في الوقت نفسه، دون تطوير بنية النظام اللبناني، غير أنه في كل الأحوال جسد ميزة لبنان ومصدر اعتزاز اللبنانيين بتجربتهم الغنية في ممارسة الحرية والديمقراطية والعيش المشترك، وهذا ما جعل من لبنان وطن الرسالة بالنسبة إلى البابا يوحنا بولس الثاني، والوطن النموذج بالنسبة إلى الدول الغربية، والتجربة الغنية التي يجب تعميمها بالنسبة للتواقين في العالم العربي إلى عيش الحرية والتنوع والانفتاح.

ولعل ما أثبتته الحوداث التاريخية أن فكرة تحييد لبنان غير قابلة للترجمة العملية أو الحياة، وما تحقق في هذا السياق في حقبات زمنية معينة كان موقتا وظرفيا، وطالما أن التحييد مسألة مستحيلة يعني أن مصير لبنان غير منفصل عن مصير محيطه، أي مرتبط حكما بمصائر الدول التي تؤثر على بنيته وتركيبته جراء تأثر بعض الجماعات المكونة لهذا اللبنان بسياسات هذه الدول وتبديتها مصالح هذه الدول على المصلحة اللبنانية، وبما أن مصير لبنان مرتبط، في الوقت نفسه، بمصائر هذه الدول فلا حل للقضية اللبنانية إلا بعد انتقال "عدوى" الديمقراطية إلى هذه الدول.

فالمساكنة بين الديمقراطية والديكتاتورية مستحيلة، خصوصا إذا ما اعتبرت الأنظمة المستبدة أن الديمقراطية تشكل تهديدا وجوديا لها، وهذا ما يدفعها إلى تدمير هذه التجربة لئلا تنتقل عدواها إليها، وهذا تحديدا ما حصل في لبنان وما زال مستمرا عبر استباحة سوريا لأرضه وتحويله من وطن إلى ساحة وإبقاء دولته معلقة وضرب حريته واستهداف ديمقراطيته ومحاولة القضاء على دوره وخصوصيته. ولعل بارقة الأمل الكبرى لتي لاحت في الأفق الذي كان يبدو مقفلا حتى الأمس القريب هي هذه الثورة التغييرية الديمقراطية التي تجتاح العالم العربي من المحيط إلى الخليج، مطالبة بحق الانسان العربي في الحرية والكرامة والعدالة.
ولعل أهمية هذه الثورة أنها أسقطت أوهام كثيرة عملت إسرائيل وإيران وحتى الولايات المتحدة على ترويجها من قبيل المخاوف من حكم الإسلاميين عبر تصوير الأنظمة متقدمة على شعوبها الغارقة في تخلفها وأصوليتها وجموحها نحو الحرب لا السلم، بينما ما أظهرته هذه الثورة غير ذلك تماما، لجهة أن اهتمامات هذه الشعوب وطنية لا قومية ولا إسلامية، وبدت حريصة على التمسك بحريتها وإنجاح تجربتها وتحقيق النقلة المطلوبة في دستورها ونظامها وممارستها السياسية وتثبيت استقرارها وترسيخ سلامها الداخلي، وهذا أكبر دليل على الوعي السياسي للنخب العربية والشارع العربي في آن معا. وحتى الأخوان المسلمين لم يظهروا أي توجه معادي للديمقراطية والتغيير، لا بل بدا سلوكهم مرنا وسلسا بعيدا عن أي تضخيم في دورهم وحجمهم، إذ أظهرت الانتخابات الطالبية، على سبيل المثال، في جامعة القاهرة، وهي من أكبر الصروح الجامعية في مصر، أن حجم الأخوان لا يتعدى الـ8%، وهي إشارة بالغة الدلالة في وسط الشباب الذي يميل معظمهم إلى التيارات المدنية والتغييرية.

ولعل الحقيقة المرة التي لا يمكن إغفالها ولا إنكارها ولا التهرب منها هي أن النظام السوري صادر حرية ثلاثة شعوب في آن واحد: حرية الشعب السوري، وحرية الشعب اللبناني، وحرية الشعب الفلسطيني، وإن دلت التجربة على شيء فعلى أن ما قاله الشهيد سمير قصير يجسد الحقيقة الساطعة في هذا السياق من أن لبنان لا يمكن أن يستقر في ظل نظام استبدادي في سوريا، وهذا التحول الذي تشهده سوريا يشكل بداية تحرير هذه الشعوب الثلاثة، كما بداية النهاية لمشروع إيران في العالم العربي ولبنان.

فالمشترك الأبرز بين الشعوب العربية اليوم هو الحرية، هذه الحرية التي تشكل المدخل الأساس للسلام والاستقرار ولوحدة اقتصادية عربية، فلا سبيل للعبور إلى "لبنان أولا" أو "مصرا أولا" أو "سوريا أولا" إلا بعد تثبيت خيار الحرية أولا بجعله خيارا معيوشا وقائما بذاته. فالأولوية إذا اليوم هي لمعركة الحرية، وعلى كل انسان عربي، أينما وجد، المساهمة في هذه المعركة وصولا إلى دول سيدة وحرة وديمقراطية تحتكر قوة السلاح ويتساوى داخلها المواطنون في الخضوع لسلطة القانون حيث القضاء مستقل عن السلطة السياسية.
شارل جبور-دائرة التحليل السياسي – المركز اللبناني للمعاومات- لبنان
 

المصدر:
المركز اللبناني للمعلومات - LIC- لبنان – دائرة التحليل السياسي

خبر عاجل