الجالية اللبنانية تُدير 40 بالمئة من إقتصاد ساحل العاج، وهي دائماً مقرّبة من السلطة
كتب حسين زلغوط في صحيفة "اللواء": بعد أن وضعت المعارك في ساحل العاج أوزارها مع إنتفاء الأسباب التي أدت إلى حصولها، وبدأت الحياة تعود إلى طبيعتها في العاصمة أبيدجان، بدأت الأسئلة تُطرح حول ما ستؤول إليه أوضاع أفراد الجالية اللبنانية الذين غادروا هذا البلد عائدين إلى لبنان، وكذلك حال الذين فضّلوا البقاء بعد أن اطمأنوا إلى استتباب الوضع الأمني وخوفاً على ضياع جنى عمرهم بفعل موجة السرقات والنهب التي اجتاحت المنطقة وطالت غالبية متاجر ومنازل اللبنانيين والتي من الممكن أن تستمر في ظل الفوضى التي ما تزال تعمّ الشارع العاجي.
ومن نافل القول أن الجالية اللبنانية في بلاد <الكاكاو> هي الأكبر من بين الجاليات غير الأفريقية في هذا البلد وهي تعدّ أكثر من ستين ألف شخص، وهي متمكّنة اقتصادياً ومالياً ومقرّبة دائماً من السلطة مما يجعل موقفها السياسي دقيق نظراً للتقلبات التي تحصل والتي تُسفر بفعلها الكثير من الدماء على غرار الحرب الأخيرة التي أدّت إلى الإطاحة بالرئيس غباغبو الذي كان على علاقة جيدة بالجالية التي باستطاعتها أيضاً التأقلم مع الرئيس واتارا بعد أن يتسلم سدة الحكم، وقد جرى بالفعل التواصل معه وهذا التواصل سيترسخ ويتفاقم بعد أن تعود الأوضاع الأمنية إلى طبيعتها.
وإذا كانت الجالية اللبنانية تعدّ الأكبر من بين الجاليات العربية، فإنها أيضاً تُدير حوالى 40 بالمئة من اقتصاد ساحل العاج، وهي استفادت من موجة خصخصة مؤسسات الدولة في نهاية التسعينيات، كما أن الاقتصاد اللبناني يساهم في دعم القدرة الشرائية في ساحل العاج أكثر من الاقتصاد الفرنسي.
هذه اللمحة الموجزة عن موقع الجالية في ساحل العاج يمهد الطريق أمام فتح نافذة للإطلالة منها على مصير هذه الجالية في الوقت الراهن.
تؤكد كل المصادر العليمة بواقع الحال الأبيدجاني أن لا خوف على الجالية اللبنانية هناك على المستوى الوجودي، حيث أن أي مسؤول عاجي يتسلّم زمام الحكم يعي تماماً أن الجالية اللبنانية تشكل الرقم الصعب في مختلف القطاعات حتى أن لها تأثيرا فعّالا على المستوى السياسي، مما يجعلها في منأى عن أي تصرّف يحدّ من نفوذها المالي والاقتصادي.
وتتوقع هذه المصادر أن لا تطول رحلة عودة اللبنانيين إلى أبيدجان، فعدا عن أن هؤلاء لهم منازلهم ومتاجرهم وأعمالهم، فإن هناك سبباً رئيساً يحثّهم على الاسراع في العودة وهو العامل الاسرائيلي الذي ينتظر بفارغ الصبر ترك اللبنانيين القارة السوداء التي تشكل في رأي الاسرائيليين رافداً أساسياً للاقتصاد اللبناني، هذا عدا عن أن اسرائيل تعتبر أن الدعم المالي الأساسي الذي يأتي إلى <حزب الله> إضافة إلى إيران هو من المغتربين اللبنانيين في الخارج وعلى وجه الخصوص من أفريقيا، وهي لذلك تقوم بمحاربة الجالية اللبنانية ومزاحمتها في شتى القطاعات للحدّ من قدرتها على الامساك بزمام الأمور وتقوية نفوذها أكثر فأكثر.
وفي تقدير المصادر أن ما جرى في أبيدجان ستكون آثاره محدودة على اللبنانيين وهي ستقتصر على سرقة بعض المنازل والمخازن والمتاجر، وأن هذه الجالية ككتلة بشرية واقتصادية ستبقى على نفوذها الذي يجعلها عنصراً أساسياً في الحياة في ساحل العاج على كافة الصعد.
وتذهب المصادر إلى الاعتقاد بأن الطريقة والسرعة التي اعتمدت في عودة النازحين الجنوبيين خلال حرب تموز لعدم تحويل الجنوب إلى أرض محروقة، هي ذاتها ربما تتّبع في عودة أبناء الجالية الذين وصلوا إلى لبنان فور عودة الحياة إلى طبيعتها في المناطق التي نزحوا منها، وبذلك فإن اللبنانيين بحافظون على وجودهم في أبيدجان، ويحدّون من الخسائر التي يمكن أن تلحق بهم فيما لو بقوا بعيداً عن هذا البلد الذي يحتضنهم منذ عدة عقود، مع الإشارة هنا إلى أن غالبية الذين عادوا إلى لبنان هم من الأطفال والنساء وهؤلاء عادة يقضون فصل الصيف في ربوع الوطن وبالتالي فإن أصحاب رؤوس الأموال والتجار والعاملين في الحقل الاقتصادي والمالي بقوا في ساحل العاج مما يعني أن الشظايا التي أصابت الجالية نتيجة ما حصل من معارك لن تكون قاتلة، وسيكون من السهل تضميد الجراح والعودة إلى ممارسة الحياة الطبيعية التي كانت سائدة قبل وقوع الأحداث التي يمكن أن يبقى لها ارتدادات لكن ليس لمدة طويلة.