… من ورائكم!
الناس بالناس وقطط السياسة عندنا بالجبنة والنفاس كما تقول الأمثال.
وهكذا ليس غريبا إغراق البلاد في أخبار بورصة الحكومة العتيدة وكيف تكون الحصص أو "الخلطات" وما هو الذي يرضي حامل مفاتيح السماء وعصا مار مارون، وما الذي لا يرضيه، وكيف يتم توزيع الحقائب السيادية على الطوائف الاساسية (!) وأنعم وأكرم على سيادة من هذا الطراز القبلي وما دون القبلي!
فلقد كنا بحاجة الى وساطة كل دول العالم لنتفق، فلم يفلح في ابتداع معجزة الاتفاق إلا الاخوة في قطر فلهم الشكر، وإن يكن قد فاتهم ترتيب عملية توزيع الحقائب الوزارية لنوفر على أنفسنا كل هذا العناء. وفي الاصل هناك فرق بين الحقائب والحقائب يا طويل العمر!
***
ليس القتال على هذه الحكومة وحقائبها، أكثر من قتال للحصول على حصص راجحة او مفيدة في البازار الانتخابي المفتوح منذ الآن، حيث المطلوب إما شراء الناس وأصواتهم بالخدمات الممتدة من الدواء الى الزفت وغيره، واما "بلف" الناس واثارة غرائزهم عبر الشعبوية، وكلنا بحمد الله سبحانه وتعالى من أهل النخوة وبالروح بالدم نفديك أيها البطل… وسيروا ونحن من ورائكم. الى المتاريس من ورائكم والى جنان الخلد من ورائكم، وحتى الى جهنم وبئس المصير نحن من ورائكم.
***
هذه الحكومة العتيدة، لن يتسنى لأصحاب المعالي الذين سيتربعون على مقاعدها ويتنعمون طبعا بحقائبها، ان يحكّوا رؤوسهم او أي مكان آخر من أجسادهم، لأن الهموم الانتخابية والانشغالات الضاغطة في مسألة حشد المؤيدين وتجميع الانصار والقبض على الهويات حرصا على حسن التصرف في يوم الصناديق، ستأخذ كل وقتهم!
وهكذا فان المواطنين الذين يراهنون اليوم على أن تتيح لهم الحكومة التقاط الانفاس في المسائل المقلقة لا بل المخيفة التي تزداد وتتسع، سيصابون مرة جديدة بالخيبة.
ولكن هذا الشعب العنيد الذي يقوم الآن بتنظيم قوافل السيارات ليليا وباطلاق الزمامير والاسهم النارية بعد كل مباراة من بطولة أوروبا لكرة القدم ويطلق الشتائم في اليوم التالي ضد غلاء البنزين وارتفاع سعر ربطة الخبز 500 ليرة، وهي لا تشتري "فرقيعة" لعيون الفريق الالماني او الاسباني او حتى التركي، هذا الشعب قد ينسى غدا ويذهب لتجديد انتخاب أولئك الذين يبيعونه ويشترونه في البورصات والحقائب.
***
همّان أساسيان يسيطران الآن على البلاد الغارقة في زوابع التشكيل والخلطات هما:
❑ أولا: الاضطرابات الامنية المتفاقمة التي تضع لبنان على شفير حرب مجنونة يختلط فيها المذهبي بالطائفي بالمناطقي وهو ما قد يعيدنا الى جمهوريات الاحياء والدساكر والزواريب والريّاس.
❑ ثانيا: الازمة الاقتصادية المعيشية المتفاقمة والتي ستأخذ اتجاهات متفجرة على اكثر من صعيد وفي اكثر من قطاع انطلاقا من غلاء أسعار الوقود التي ستستمر في الارتفاع على ما يبدو، وهو ما يجعل المازوت في أهمية زجاجات العطر لا في أهمية الطعام والدواء فحسب، كما يقول رئيس جمعية الصناعيين الصديق فادي عبود.
ولكن هل سمع اللبنانيون وسط كل هذا الدوي من الكلام على الحقائب والحكومة والشروط والشروط المضادة، من يربط مسألة الرغيف او الامن بتصور واقعي وعملي للاستيزار او السلطة، يحترم عقل الناس؟!
***
ثمة إهانات يومية توجه الى المواطنين في لبنان، لا بل هناك احتقار منهجي للبنانيين الذين تتآكلهم الهواجس والمخاوف في ظل الحديث المتنامي عن اصرار المعارضة على المضي قدما في ليّ ذراع الاكثرية لا بل في السعي الى تفتيتها وبقوة السلاح اذا تطلب الأمر!
وعندما يقال ما معناه ان ما حصل في بيروت الغربية والجبل هو مجرد صفحة في كتاب لم ينته بعد، وعندما تسهر طرابلس على حرائق المنازل والمحال، وعندما تطل من وراء الاضطرابات الامنية المتنقلة بقاعا وشمالا ملامح تهجير وتهجير مضاد… عندما يحصل كل هذا وتبقى هموم بعض أهل السياسة عند حدود الحصص والحقائب سيادية وخدماتية وما الى ذلك من "الزعبرات" المعيبة، فان من العبث الاعتقاد ولو لوهلة ان تشكيل الحكومة سيضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم لتبدأ ورشة التفاهم الحقيقي والبدء في إرساء وحدة وطنية تحتاج الى دهر على ما يبدو، في ظل الخلاف الجوهري على "أي لبنان نريد"؟
***
ان استهبال الشعب اللبناني قائم ومتصاعد. فعندما يستمر اللغو السياسي حول الحكومة رغم اتساع القلق الامني وقد أضيف اليه الآن شق يوقظ كل الهواجس والشياطين بالحديث عن تمدد عسكري لـ"حزب الله" من مرتفعات جزين الى مرتفعات العاقورة مرورا بعيون السيمان وجرود كسروان وجبيل. وعندما يستمر قتال القطط على جبنة السلطة في مراهنة استباقية على كسب الانتخابات، فلا بد من ان يكون لبنان الآن في الطريق السريع الى الخراب.
***
ما يثير الذهول ان الناس لا تحظى بأي توضيح حول اتساع الاضطرابات الامنية ولا حول الحديث عن تمدد عسكري في قمم الجبال يتزامن مع حديث متزايد عن الحسم الذي قد يكون لا مفر منه (!) ولا حتى حول الموقف شبه المتفرج الذي تتخذه القوى الامنية في مواقع الاضطرابات ولكأننا لم نتعلم شيئا من دروس الماضي!