في أي وقت، قد تولد الحكومة الجديدة، تكنوقراطية، من لون واحد، أو مطعمة، وقد لا تولد. لكن هذه لم تعد هي المسألة. فأمراض هذه الحكومة باتت معروفة سلفاً. إذ بات قطباها الداعمان، «حزب الله» و»التيار العوني»، يرى كل منهما نفسه أكبر من أي حكومة، وأي دولة، وأي بلد. وهما لم يخوضا معاركهما الداخلية ليأتيا، أو ليؤتى لهما، برئيس حكومة لا علاقة له بالصراع السياسي الدائر، بل جلس سنوات يتفرج منتظراً سقوط الثمرة بين يديه، من دون أن يتحمّل دماً ولا أوجاعاً.
أما لماذا لم تعد هذه هي المسألة، فلأن حكومة مستندة الى أكثرية كهذه لم تعد ذات معنى، كان الهدف من «الانقلاب» تغيير إدارة الأزمة بتوجه هجومي على امتداداتها الاقليمية والدولية. لكن الأقلية السابقة، بعدما أصبحت أكثرية، بفعل التدخل السوري – الايراني، فقدت كما فقد عرّابوها سلاحها الأمضى وهو الابتزاز الذي مارسته ضدّ الأكثرية السابقة والحكومة السابقة، وضدّ رئيسها، وضدّ من يردعمه اقليمياً ودولياً.
والأهم الآن أن الجو الاقليمي نفسه تغير. سوريا تدرك شيئاً فشيئاً أن لديها مشكلة داخلية،وقد لا يكون نظامها مهدداً أو آيلاً الى السقوط قريباً. إلا أنه كلما حاول مصالحة المشكلة جدياً سيكتشف أنها أكثر عمقاً مما يتصور أو مما يريد الاعتراف به. لن يفقد النظام قوّته وسطوته بل سيزداد تمسكاً ببنيته الأمنية.
ورغم ان اللعب بـ»الورقة اللبنانية» يبقى متاحاً، إلا أنه سيتطلب من دمشق مراجعة وإعادة تفكير في الأهداف. فهي تستطيع الاستمرار بدورها ما دام هناك راغبون لبنانيون يستدعونها، لكنها ستحتاج بالضرورة غطاء عربياً، بالأحرى سعودياً ومصرياً، وهو متعذر بوجود الشراكة السورية – الإيرانية في لبنان.
ذاك ان البيئة المتوترة في الخليج قاربت المواجهة العربية – الايرانية، او السنية – الشيعية، وحتى لو لم تتطور الى مواجهة فعليّة فانها أشاعت أجواء لا يمكن سوريا ان تتجاهلها. ثم عودة العلاقة بينها وبين مصر الى مسار عادي، تفرض على دمشق أخذ مواقف القاهرة في الاعتبار في شؤون لبنان وفلسطين والامن الاقليمي، خصوصاً مع توجّه مصر الى نزع الطابع الاشكالي عن علاقتها مع إيران، من دون أن تكون راغبة في دخول الحلف السوري – الايراني. وهناك، طبعاً، الولايات المتحدة وفرنسا وسواها، التي تراقب السلوك السوري تحديداً في الشأنين اللبناني والفلسطيني.
نظراً الى الظروف التي تمرّ بها سيكون على سوريا أن تكتفي الآن بما يمكن ان تكسبه، أي بحكومة يرأسها رجلها ومرشحها، وسيكون عليها أن تكبح جماح حلفائها، وقد تدفعهم الى تنازلات ربما يتعلق بعضها بمسألة السلاح في الداخل. سترى دمشق مصلحة في استعارة مصطلح «صفر مشاكل» التركي، وتضيف اليه «صفر صراعات» لتعطي الضوء الأخضر للحكومة الجديدة، بمعزل عما إذا كان ذلك يعني حكومة فاعلة أم لا.