#adsense

13 نيسان!

حجم الخط

ما عاد لتاريخ 13 نيسان ذلك الصدى الاعتذاري المألوف الذي سبق وشهدناه على مدى السنوات التي سبقت جريمة 14 شباط 2005. ذلك الصدى الذي صار أو كاد، طقساً واجباً لتنقية الذاكرة وتفريغها من أدران الخطايا الدموية التي ارتكبت في الحرب.
وما عاد لذلك الطقس الاعتذاري التبريري، ذلك الصدى الذي كان يخلّفه في المتلقين.. صار هؤلاء في معظمهم في عالم آخر مسوّر بطوائفهم ومذاهبهم في الإجمال.

كفّوا عن البحث عن شوائب في الهوية الجامعة أو في التاريخ الوطني الحديث للقفز فوقها أو معالجتها. كما كفّوا عن البحث في سبل التمرين المستمر اليومي، الدائم والدؤوب على فنون التسوية وشؤونها لقبول الآخر المختلف، والبقاء معه في مساحة كافية للعيش والحكي بدلاً من شحذ السواطير والسكاكين وإسالة الدم.. ذهبوا الى مكان آخر، أصعب وأكثر وحشة من مكان الحرب السابقة!

أخذ الممانعون اللبنانيين جميعاً الى الغلو، بعد أن كانت الآلة الإقليمية التي جاءت لتفرض السلام، حوّلت الجمهورية وأهلها الى مجموعات محكومة بأداء تلك الآلة ليس إلا.. خلّفت وراءها البديل الجاهز منها: خطاب ممانع أعاد في محصّلته الانقسام الى أبعد من النقطة التي انطلقت منها حرب 1975!

كانت شروط أصحاب تلك الآلة واضحة وقاسية ولا تحتمل الجدل. إما أن تبقى "رعايتنا"، وإما العودة الى ما سلف. والعدّة جاهزة. بل لم يُصر الى تفكيكها كاملة في الأصل. على مدى 15 عاماً، كان ممنوعاً اللعب بالأمن. لكن كان ممنوعاً أيضاً اللعب مع المصالحة الفعلية بين المتحاربين والوصول الى نهاية الشوط: لا داعي لمصالحة الجبل. ولا داعي لعودة المنفيين. ولا داعي لإخراج السجناء السياسيين. ولا داعي لتطبيق "الطائف" بحسب نصوصه وتفاصيله وروحه. ولا داعي لحياة سياسية باردة تفرز مناخاً أهلياً اندماجياً فعلياً. بل لا داعي لإعادة إعمار سوية تعيد تذكير اللبنانيين بالدنيا والحياة والحداثة. ولا داعي قبل ذلك لإلغاء أي مُعطى (سلاح وميليشيات مموهة) قد يتحوّل مستقبلاً الى شرارة مواجهة داخلية واضحة.. لا داعي لكل ذلك إذا كان سيؤدي في ختامه الى الاستغناء عن خدماتنا!

أثمرت تلك الممارسة في ختام موسمها زرعاً ملائماً. بدلاً من الانقسام السياسي بين يسار ويمين، أو الديني بين مسلمين ومسيحيين، وصلنا الى حالة تشظٍّ "أمتن" و"أفعل": انقسام داخل المسيحيين سياسي وتنظيمي، وانقسام داخل المسلمين سياسي مذهبي أولاً وأساساً.

وللتاريخ لاحقاً، أن يُسجّل وقائعه المركونة حتى اللحظة في عالم الغيب. لكن الموجود الراهن في عالم المعلوم والمقروء كافٍ لإصدار الحكم. حيث خطاب الممانعة، وريث الوصاية وآلتها وممارساتها أوصل اللبنانيين الى لحظة يكادون معها أن يترحّموا على مقدّمات 13 نيسان 1975!
.. لبنان كله صار أو يكاد، "بوسطة سلاح" ليس إلا!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل