حكومة واحدة لا حكومتان
على الرغم من "حروب" الإلغاء التي مارسها ويمارسها أهل 8 آذار على الأكثرية، وعلى الرغم من الاقتحام الأحادي لبيروت من دون مواجهة، والهجوم على الجبل (وانتكاسة المهاجمين)… وعلى الرغم من الجبهات التي فتحها أهل التحرير السابق، والممانعة السابقة، على الأهالي في البقاع وطرابلس، وعلى الرغم من اتخاذ حزب الله مواقع عسكرية له في جرود كسروان (لتحرير المنطقة من عملاء اسرائيل هناك في العلالي، كما على الأرض وباذنه تعالى..) وعلى الرغم من التهويلات والتهديدات والأصابع المشهورة كالسيوف البتّارة، من هؤلاء فإن الأكثرية ازدادت أكثرية وأقلية أهل 8 آذار ازدادات أقلية. ولو راجعنا سجّل هؤلاء على امتداد السنوات الأخيرة، لما وجدنا غير العنف، والاغتيال والاقتحامات والاعتداء على الأحياء المدنية، وقطع الطرقات واحراق الدواليب (استبدل باحراق البيوت في طرابلس واحراق التلفزيونات والصحف في بيروت فيا لهذا التطور الديموقراطي الملحوظ) وعلى الرغم من كل ذلك اكتشف 8 آذار ومن بينهم في الخلفية المسنودة ميشال عون انهم يزدادون أقلية. وانطلاقاً من هذا "الواقع" الذي آلمهم، وبسبب انهم لم يحصدوا من اعتداءاتهم وحروبهم سوى "الهزائم" الشعبية والنقابية والسياسية "المظفرة" باذنه تعالى، فها هم يعوضون عن هذه الانتكاسات "الشعبية" باستراتيجية الترهيب والترويع والعنف، ولسان أحوالهم يقول: لم يبق لنا، كانقلابيين مشهودين سوى الاستمرار في الانقلاب، والانتقام من أكثرية هذا الشعب الذي خذلنا فعلاً بتمسكه بقيم الديموقراطية والسيادة والدستور والطائف وأخيراً "الدوحة".
واذا كانت الأكثرية ما زالت على حالها وكذلك الأقلية في مداهما التمثيلي فيعني أن السبيل الوحيد للأقلية أن تتجاوز الخطوط الحمر وتحاول "انتزاع" السلطة عبر اللجوء إلى المنحى الميليشيوي المسلح. وهذا المنحى خبرناه في الحروب السابقة وأساسه أن تفرض مجموعة مسلحة بشعار طائفي أو مذهبي أو أيديولوجي إرادتها على ناسها أو على ناس غيرها بالسلاح. أي تصادر المجتمع المدني بأدواته ومفاصله وحقوقه في التعبير والاختلاف وتُحيله صوتاً واحداً هو صدى مرنان (ودموي) للحزب المهيمن أو للقائد الأحادي البطل. هذا ما خبرناه على امتداد الحروب.
اليوم، يتكرر الأمر: هذا المنحى الميليشيوي يجسّده حزب الله بعدما كان له أن ينتقل من مقاومة اسرائيل إلى مقاومة أكثرية الشعب اللبناني، والشرعية والجمهورية والدستور ووحدة الأرض والشعب ويحاول أن يصادرها جميعاً بقوة السلاح: ميليشا حزبية تواجه المجتمع الأعزل، ميليشيا أحادية بعقيدة موجهة تعدم تعددية المجتمع. وما "السطو" على بيروت سوى وجه من وجوه هذه الميليشيوية. وما محاولة اقتحام الجبل ومناطق في الشمال والبقاع وصولاً إلى صنين (وجبل صنين أيضا عميل اسرائيلي، يجب مقاومته، وربما غداً الأرز يكون أيضاً عميلاً اسرائيلياً، حيث كل شجرة تجسد عدواً… وصولاً إلى جرود كسروان: التي يجب "جردُها" وتجريدها من عملاء اسرائيل! براوا! فالشجرة يمكن أن تكون عدواً. وصخور الجرد أيضاً. والمدن، فيا لاسرائيل كم هي قوية بعملائها!).
وبما ان اتفاق الدوحة تقرر فيه ما تقرر في محاولة لتعزيز الدولة وانتخاب رئيس للجمهورية، وتأليف حكومة، فبات من الطبيعي أن تستشرس الميليشيا الحزبية وتضع كل هذا الاتفاق في موضع الشك النقيض: وعليه، لا يكون أمامها سوى اما عرقلة قيام الحكومة والمؤسسات وإما اضعافها، وإما تهميشها، وإما السيطرة عليها، لا كونها تمثل أكثرية بل وتحديداً لأنها أقلية عاجزة عن تغيير الأمور بالطرق الديموقراطية المباشرة. وقد اتخذت هذه "الأقلية" وطليعتها ميليشيا حزب الله وطربوشها الجنرال عون، وفي هذا الاطار، ذرائع للعرقلة أو الهيمنة، ابرزها مطالبتها بالحقائب السيادية لا سيما الأمنية، لتضمن كما تدعي "عدم طعن المقاومة الموجودة في صنين وطرابلس، وبيروت (!) في ظهرها.. وهي تطعن الجمهورية كلها في ظهرها! حقائب سيادية اذاً: الداخلية من أجل الانتخابات، والدفاع من أجل منع تسليح الجيش (باعتباره أيضاً احتمالاً لطعنها من الوراء، وهي وراءه)، والاشغال للخدمات الانتخابية، والمالية لتخريب الاقتصاد ومنع المساعدات للدولة (والدولة اللبنانية كصخور صنين، وجرود كسروان عدو أيضاً!)…. و"رأس" حربة هذه الميليشيا الحزبية التي "دفشت" عون (الذي حول الجيش ميليشيا في حروبه السابقة) ليكون مطربها واداتها في تنفيذ مخططاتها، مقابل تصويره وكأنه يمثل المسيحيين! وقد صدّق هذا الدور حتى التماهي، فصار الدور هو الشخصية والشخصية هي الدور… على مساحة من الفصام لا يرقى إليه شفاء ولا برء ومعالجة.
إذاً هناك حكومة قيد التشكيل: اقلية شعبية بلباس الميليشيا وسلاحها، وأكثرية تجسد المجتمع المدني، والدولة…. وهذا يعني الكثير في حال تشكل الحكومة أو عدم تشكلها:
يعني في الحالة الأولى ومن خلال مفهوم الحقائب السيادية الأمنية ـ الخدماتية، ان الذهنية الميليشيوية ستخترقها لضربها من الداخل وفي الوقت ذاته الاستفادة منها لتبرير وجودها غير الشرعي.
ونظن أنه حتى لو تألفت الحكومة فالسلاح سيبقى مصلتاً على رؤوس "الأكثرية" ورئيس الجمهورية… وسيعيد هؤلاء برغم تمثلهم في الحكومة، إلى اعتماد الأساليب الترهيبية ذاتها التي اعتمدوها؛ من دون أن يعدموا وسائل أخرى: كالتهديد بالخروج منها والتشهير ببعض الوزراء (أو رئيسها) وتعطيل القرارات الأساسية التي لا تناسب "جمهوريتهم"الموازية: اذاً يتمثلون في حكومتين الشرعية، وكذلك "حكومتهم" التخريبية داخل الجمهورية الشرعية، وكذلك داخل جمهوريتهم المرسومة على حدود كانتوناتهم وبؤرهم الأمنية. وهكذا يكون لهم التخريب من طرفيه فيبقى سلاح حزب الله مقاوماً الشرعية وهو فيها، وتبقى جمهوريته تواجه الجمهورية وهو فيها، وتبقى دويلته "تحارب" الدولة وهو فيها!
وعلى هذا الأساس من الصعب القول إن أموراً أساسية ستتغير من حيث انضمام 8 آذار (ذي الوصايتين وربما أكثر) وستبقى هذه الثنائية قائمة حتى ما بعد الانتخابات النيابية اذا جرت: دولة في اللادولة، اللادولة في الدولة، ويبقى الجيش على حاله عاجزاً ازاء محاصرته بالمعادلات المذهبية والطائفية، ليعيدوه الى ما كان عليه أيام السيئ الذكر إميل لحود: جيشاً من الظلال، يُمنع من محاربة اسرائيل وحراسة الحدود كما يجب، وكذلك من حماية المجتمع. وهذا ما يفسِّر محاولات الهائه وتشتيته في هذه الحروب المتنقلة ولأنهم لا يريدون لهذا الجيش أي دور، خصوصاً دوره الوطني في مواجهة العدو الاسرائيلي باعتبار ان هذه المواجهة ستظل "وكالة حصرية" للحزب الذي ما زال يرفع عبارة المقاومة ليغطي حروبه الداخلية. وعلى هذا الأساس سيحاولون جعل الحكومة كالجيش (ردائف لميليشيا الحزب وحضور الوصايتين بالمال والسلاح والقرار… وعلى هذ الأساس سيحاولون (كما الحال الآن) افراغ الرئاسة الأولى من كل محتوى لتكون شبيهة برئاسة لحود "أشرف الناس" و"المقاوم الأول"!! وهكذا تبقى الأحوال على أحوالها، والمقامات على مقاماتها، والخراب على خرابه وهكذا يبقى قرار الحرب والسلم في قبضة الوصايتين ومنهما الى ميليشات 8 آذار، وتعود حليمة إلى عاداتها القديمة باذنه تعالى رب العالمين!
أما في الحالة الثانية أي عرقلة تأليف الحكومة فيكون لـ 8 آذار… أن يُصَعِّد من استشراسه ومن وتائر حروبه الداخلية، لشل كل قدرة عند الناس والأحزاب للدفاع عن انجازاتها الديموقراطية والجمهورية… وعن نفسها: ميليشيا اذاً بكل المواصفات التي عرفناها على امتداد حروب "الوصايات" السابقة على "لبنان"، بمعنى آخر، محاولة استدراج أكثرية اللبنانيين إلى اللجوء إلى قوى ذاتية تدافع فيها عن وجودها. بل وعلى أمانها واقامتها (سياسة التهجير بدأت فعلاً في بيروت وطرابلس). وعندها يكون لهذه الأكثرية وبفعل الحاجة أن تنشئ ميليشياتها لتتشبه على الأقل بميليشيا حزب الله. وهكذا يكون هذا الأخير قد نجح في جعل الشعب كله شبيهاً به. وهذا ما حصل في الحروب السابقة عندما انشئت الميليشيات لتكون بممارساتها وسلوكها متشابهة ومستنسخة. اذاً حزب الله يريد ان يستنسخ "لبنان" على صورته (الأخيرة أي الميليشيوية لا صورته المقاومة المشِّعة التي كان يقدرها الشعب اللبناني)، ويدفعه الى توسل وصايات (كوصايتي حزب الله) لمساعدته وتمويله وامداده بالسلاح، ليكون البلد كله كما يريد حزب ولاية الفقيه مجموعة من ولايات فقيه ربما أكثر فقهاً، وأكثر أصولية وأكثر عنفاً (هذا ما خبرناه في الحروب السابقة).
صحيح أن الأكثرية ازدادت أكثرية وحوصرت الأقلية بعزلة رهيبة (لا سيما ميشال عون) لكن قد نجد هذه الأكثرية مضطرة أن تدافع عن وجودها. وصحيح أن الأكثرية واجهت المحاولات الانقلابية والاغتيالات والتخوين والتهديد والتخريب بادوات الديموقراطية المباشرة أي التظاهرات السلمية وافشلت كل الأقلية الانقلابية… لكن قد ترى هذه الأكثرية ان هذه الدفاعات الشعبية ضرورية لكن غير كافية: فمن يمنع ميلشيا حزب الله من الدخول إلى اي منطقة بالقوة واذلال الناس واحراق البيوت وتهجير المواطنين في حال بقي الجيش على حاله: في موقع "الحيادي" الذي يخدم غير الحياديين.
انها احتمالات الممكن "المُظَهَّر" بعينياته ميدانياً، وبين الناس. واذا بقي حزب الله مصراً على ممارساته، وانتهاكاته، فالنتيجة ستكون حرباً شاملة هذه المرة، يغرق فيها من يغرق، وينتهي من ينتهي، ليندثر كل شيء، ولن يبقى "للمنتصر" اذا تبقى منتصر سوى ركام يحكمه، وعدم يسوسه، ويصبح لبنان ومن فيه ومن عليه في خبر كان.
اهذا ما يريده حزب الله! طبعاً ما زلنا،برغم كل شيء، قادرين على التمني بأن يعود هذا الحزب الى بلده، وان يسترجع "قيم" المقاومة التي خاضها مشكوراً وأكثر، ويوظفها في خدمة السلم الأهلي والدستور والديموقراطية والناس، وقد يكون لنا، نحن الذين كنّا في الصفوف الخلفية الشعبية والثقافية في دعمه اثناء مقاومته العدو، وإن من باب التعلق بقشة لانقاذ السفينة، ان يعترف بأن هناك قوى مختلفة في لبنان، ومتعددة دينياً، وطائفياً ومذهبياً وسياسياً وثقافياً وهذا من شأنه ان يؤدي الى عودة الصراع السياسي السلمي، بدلاً من الصراع المذهبي، وعودة الصراع حول الجمهورية الواحدة لا ضدها، والصراع حول كيفية تمتين الوحدة، لا تصديعها… فبهذا وحده يسلم الحزب ويسلم الجميع…. والوطن. وما عدا ذلك سيكون وبالاَ: عدة جمهوريات وحروب كثيرة، عدة حكومات، عدة جيوش، تفقيس ميليشيات… وعندها يكون هناك رابح واحد وخاسرون: الرابح الوحيد الأحد اسرائيل، والخاسرون: كل اللبنانيين.