العودة الى المؤثرات السورية؟!
عاد الحديث اخيرا عن «سعر سوري» مقابل موافقة المعارضة على الانخراط في الحكومة العتيدة بأقل نسبة من التعقيد والضوضاء، لاسيما ان رسائل حزب الله الى الخارج والداخل قد وصلت الى من يعنيه الامر، ولا مجال امام احد لان يتخطاها، مهما اختلفت الاعتبارات السياسية.
فالحزب عندما وجه ضربته في بيروت لم يكن ينتظر ان تبدأ بسهولة ولا ان تنتهي بسهولة، على رغم ما حشد للاجتياح من نوعية قتالية متطورة، بمشاركة وحدات قتالية مماثلة في احزاب وتنظيمات حليفة، وهذا ما حصل تماما في منطقة الامتداد الجنبلاطي في الجبل تحديدا، ما ادى الى اعتبار حصيلة العمليتين «نهاية مؤسفة» لكل ما كان يقال عن استعدادات لضرب المقاومة من جانب تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وقوى في 14 آذار.
أما وقد تطور العمل العسكري بالاتجاه الذي املى على الاكثرية التنازل عن كثير مما لم تكن مستعدة لاعطائه، فقد جاء اتفاق الدوحة لا ليؤكد القدرات اللبنانية على التفاهم، بل ليعطي قوى 14 آذار درسا في التراجع بالنسبة الى معظم ما كانت المعارضة تطالب به، وفي مقدم تنازلات الاكثرية قبولها بإعطاء قوى 8 آذار الثلث الوزاري الضامن؟؟
وقبل ان يجف «الحبر القطري» عن الاتفاق اللبناني الشكلي في الدوحة، جراء الضغوط العربية او الدولية التي مورست على القيادة السورية، بحسب ادعاء الاكثرية وقيادات عربية واجنبية ودولية، فقد تبين لاحقا ان السوريين لم يكونوا حقيقة في وضع حرج، طالما ان المؤثرات الايرانية كانت في ذروة التعاطي مع حزب الله، والى جانبه بالطبع، وهذا يعني استمرار التعاطي الايراني – السوري التفاهمي على كل نقطة وفاصلة في الملف اللبناني وليس العكس؟
أما المؤثرات الاجنبية التي اعتبرها اركان قوى 14 آذار وكأنها من ثوابت الدعم، فلم تثبت جدواها «لان المعارضة هي من يتحكم باللعبة السياسية الداخلية»، فضلا عن ان ما يقال عن اصرار سوري على قبض سعر مسبق من الحكومة العتيدة، عاد ليطرح علامات استفهام جديدة ازاء ما يمكن ان يسفر عنه اللقاء الفرنسي – السوري على هامش القمة الاورو – متوسطية، اضافة الى ما يشبه تأكيد حصول لقاء في المناسبة بين الرئيس اللبناني ميشال سليمان والرئيس السوري بشار الاسد (…).
وثمة من يجزم في هذا الصدد، ان تحضيرات اجتماع الرئيسين اللبناني والسوري على هامش القمة الاورو – متوسطية، لا تستبعد زيارة قريبة يقوم بها الرئيس سليمان الى دمشق «كي لا يقال ان جمع الاثنين قد تطلب مسعى فرنسيا وتدخلا عربيا – اوروبيا».
واذا كان هناك من يعتقد ان السوريين يغارون على المصلحة اللبنانية اكثر من غيرتهم على مصالحهم، لا بد وان يفهم ان واقع الحال في لبنان في اعقاب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تبعه من اغتيالات سياسية اقترنت كلها بالبصمة السورية، لايزال يرخي بظلاله السلبية على حال اللاتفاهم، اضافة الى ان السوريين قد لا يكونون في وارد تصفية الحسابات مع احد، غير انهم يرون الظرف مناسبا لان يجعلوا قيادات لبنانية معارضة لهم، تفهم عمق العقد اللبنانية ذات التأثير السوري والقدرة السورية على الحل، في حال توافرت المناخات السياسية المتبادلة؟؟
وتجدر الاشارة هنا الى ان قيادات رسمية وفي المعارضة زادت من معدل زياراتها اخيرا الى دمشق، في اطار التنسيق من جهة وفي نطاق اظهار استمرار التفاهم الذي لم ينقطع يوما، بعكس كل ما تردد في بداية «العهد الاستقلالي الثاني» الذي اعقب الانسحاب السوري من لبنان (…).
أما الاشارة الاخرى التي لا بد وان المراقبين يعطونها اهمية، فهي ان قوى 8 آذار، مقتنعة حتى اشعار آخر بقدرتها على التحكم بمسار الحكومة الجديدة، في ظل تلويح مستمر من حزب الله بأن قدراته جاهزة للرد على اي تصرف لا يقنعه!
وبين مفارقة السعر المطلوب سورياً وبين عدم قدرة قوى 14 آذار على تقديم المزيد من التنازلات، هناك من يستبعد البقاء في هذه الدوامة، «لان السوريين يعرفون حدود تأثيرهم داخل لبنان»، بمستوى معرفتهم حدود وامكانات تجاوزهم التأثير الخارجي عليهم. وفي الحالين يبقى مشروع الحكومة في نظر المراقبين حاجة داخلية ومطلبا خارجيا يصعب على احد في الداخل والخارج تجاهله في منطلقاته وفي موجباته.
وفي حال امكن الوصول الى تفاهم مقبول في المستقبل المنظور على الطبخة الوزارية، لا بد وان يأتي ذلك بالتفاهم على لقاءات لبنانية – سورية على مستوى القمة، بما يحمي الحكومة العتيدة من تصرفات داخلية غير محمودة العواقب؟؟