سياسيون وسط "معركة العرب وسلاح إيران":
نبحث يومياً عن لغة يُنصت إليها الشيعة …
تنعقد باستمرار اجتماعات بعيدة عن الأضواء لسياسيين في قوى 14 آذار تواكب الأحداث وتحاول استخلاص العبر منها لتصويب الأداء. الآراء والملاحظات الواردة في هذا المقال تعطي فكرة، وإن جانبية مختصرة عن نوعية المناقشات، وهي مستقاة من مداخلات لشخصيات متعددة:
" يجرنا ( رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي) وليد جنبلاط منذ عام 2004 وراء نظرية أن سلاح "حزب الله" شأن لبناني داخلي نحلّه بالحوار ويمكن استيعاب تطلعات هذا الحزب بل لبننته. عاد إلى نظريته الأساسية هذه في تحوله الشهير يوم 2 آب 2009 وهي التي قادتنا إلى التحالف الرباعي بعد 14 آذار 2005 وإلى حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي أعقبتها ثم إلى حكومة الرئيس فؤاد السنيورة فاتفاق الدوحة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية غير المأسوف عليها، وصولاً إلى معادلة "س – س". كل هذه السياسة دفعنا ثمنها غالياً. وخلال حقبة تلت خروج السوريين قال لنا الغرب السلاح مسألة داخلية، وكذلك العرب. وعندما دعونا الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى إلى المشاركة في جلسات الحوار الوطني لمناقشة موضوع السلاح تهرّب بالزعم أنه موضوع داخلي لبناني. ولكن منذ ذلك التاريخ تبيّن بما لا يقبل أدنى شك أن هذا السلاح يتجاوز لبنان، والأصح أنه منظومة تستخدمها إيران لتفرض نفسها على العالم العربي بأكمله.
ما حصل أخيراً أن ملوكاً وأمراء وقادة دول، لا أحد يمكنه اتهامهم في عروبتهم، أعلنوا مواجهتهم التمدد الإيراني في الخليج. رآها الرئيس سعد الحريري فرصة لإعلان المواجهة مع السلاح الإيراني، أولاً لأنه بات في منأى عن الاتهامات بالسير في ركاب أميركا وفرنسا والغرب "الإمبريالي" عموماً وبمشروع "إسرائيلي" كما حدث مراراً في السنوات الماضية. وثانياً والأهم لتأكده أن المراوحة السياسية عند معادلة جنبلاط ("سلاح الحزب لبناني يُعالج بالحوار") تعني انسحاقه وفريق 14 آذار بكامله تحت وطأة اختلال موازين القوى بفعل السلاح الإيراني. ما قاله الحريري إن هناك مشروعاً يمتد من البحرين إلى لبنان قررنا نحن مواجهته. بين الإيراني والعربي من تختار أيها اللبناني؟
طبعاً، لجأ الفريق الآخر، قوى 8 آذار بقيادة "حزب الله"، إلى التنديد بما اعتبره ربطاً للبنان بمحور إقليمي يهدد بحرب أهلية مذهبية سنية – شيعية، لكأن الحزب كان يفعل غير ذلك طوال الأعوام الأخيرة. لكن رد الفعل هذا لم يأت بشيء غير متوقع.
ماذا عن الشيعة العاديين، غير الحزبيين، هل يُصغون فعلاُ إلى ما نقول؟ يقول أحد السياسيين: الأجوبة التي جمعتها محيّرة. أطرح على نفسي السؤال لعلني أصل إلى جواب محتمل: إذا كنت شيعياً أرى أعمالي ومصالحي تتضرر وتتهدد في البحرين ودول الخليج الأخرى… أو إذا كنت شيعياً جمعت تعب عمري في أفريقيا ووضعته في لبنان بأشغال ومنازل، وبسبب أخطاء سياسية لست مسؤولاً عنها ذهب ما جمعته في الخليج أو أفريقيا وبات مهدداً في لبنان … فإلى أين أذهب؟ "حزب الله" يقول إنه لا يستطيع شيئاً من أجلي ويدعوني إلى تضحية لا تقارن بما يعانيه البحرينيون الشيعة. وقطعاً لن أتوجه إلى أحزاب 14 آذار. هل يمكنني الحلم بالذهاب إلى "الدولة" على غرار ما فعل المسيحيون المتعلقون بكميل شمعون بعد ثورة 1958 زمن فؤاد شهاب؟
في أي حال، العقوبات الجماعية التي تلوّح بها دول عربية، اقتداء بدولة الإمارات التي أبعدت مجموعات من اللبنانيين عن أراضيها يمكن أن تؤدي إلى عكس ما تتوخاه تلك الدول. العقوبات هذه ستزيد على الأرجح الشعور بالمظلومية والحرمان . وفي المستوى الأخلاقي لكنا بحثنا في تأييد احتجاجات البحرينيين مثلما أيدنا انتفاضات الشباب في دول عربية أخرى لولا البُعد الإيراني الواضح في المنامة. فإيران لا تعترف بالبحرين مما يجعل الوضع هناك شديد الخطورة والتعقيد. وواضح أن المجتمعات العربية شديدة الهشاشة مما جعل المشروع الذي خصصت له طهران إمكانات كبيرة قادراً على الخرق بقوة ليس في البحرين وحدها بل أيضاً في العراق واليمن والكويت ولبنان وفلسطين وسوريا ودول أفريقيا. يحتاج العرب الشيعة إلى مراجع شيعية عربية متنورة مثل الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين. وعلى القيادات الشيعية غير الموالية لإيران في العراق أن تتكلم وتعلن موقفاً.
نحن عرب ومع العرب، محسومة إسلامياً ومسيحياً بعدما تجاوزنا عقدة "البوابة السورية". حتى الدكتور سمير جعجع الذي لمّح إليه السيد حسن نصر الله بحديثه عمن أفاقوا على عروبتهم، عندما تحالف مع عرب من غير بوابة "سوريا الأسد" في الثمانينيات كان الرد عليه مزيداً من التشكيك والتخوين.
ولكن أين المسيحيون؟ لماذا يبدو الرئيس الحريري شبه وحيد في حركته السياسية؟ الظروف ملائمة ليخرج المسيحيون من انكفائهم ويستعيدوا دوراً فقدوه منذ عصر النهضة في العالم العربي. أليس المفترض أنهم رواد الحداثة؟ فليدعوا ويعملوا في المجتمعات والدول العربية ومعها من أجل الحريات والديموقراطية بما تتضمن من انتخابات حرة وتداول للسلطة وإعلام وأحزاب وليبرالية وانفتاح وتطوّر. هم قادرون على هذا الدور، وخصوصاً أننا في عصر "الفايسبوك". يجب ألا يتلهوا أكثر بتفاصيل انقسامات زعمائهم وحساباتهم المحلية، اجتمعوا أم لم يجتمعوا في بكركي. هناك قاعدة ذهبية تُستخدم في عالم التجارة يجدر بهم أن يتأملوا فيها: "فكّر بصغارة تبقَ صغيراً".