كتبت مارلين خليفة في "السفير":
ليس جديداً أن رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري لم ولن يبارك تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف حكومة جديدة، لكنّ الجديد يتأتى في النظرة التي يقارب فيها الحريري الحكومة العتيدة لناحية الشكل والدّور معاً.
هذه المقاربة تنطلق من مبرّر تكليف ميقاتي وهو، بحسب مصدر مقرّب من رئيس حكومة تصريف الأعمال «فكّ اشتباك سياسي في لحظة معينة، ما يعني أن الحكومة العتيدة ينبغي أن تكون انتقالية مؤلفة من وسطيين وتكنوقراط». ولا يرغب المقرّبون من الحريري بالتنبؤ بتوقيت تشكيل الحكومة «ميقاتي يحاول تأليف حكومة سياسية، تضمّ التكنوقراط، إلا أن الصيغة المتداولة عن حكومة تضمّ ثلثين للأكثرية الجديدة وثلثاً للوسطيين، لا تبدو مثيرة لحماسة ميقاتي، لأن الفترة انتقالية وهو جاء ليحلّ أزمة سياسية وسط استقطاب حاد ومن المنطقي تالياً أن يكمل بمنطق الوسطية الإنقاذية لفترة انتقالية لأن القضايا الكبرى تحتاج إلى قرارت توازيها، وهذا ما لفت إليه البطريرك الماروني بشارة الراعي وكذلك المجلس الشرعي الإسلامي في اجتماعه الثاني».
الموقع المعارض الذي سينطلق منه فريق الرئيس الحريري وحلفاؤه في قوى 14 آذار يعتمد على معيارين: «نوع الحكومة العتيدة والسياسة التي ستنتهجها. فإذا شكلت من تكنوقراط ستكون جيدة، وبالتالي لن تقدّم ادعاءات بأنها ستتخذ قرارات مهمة، وبالتالي لن نعارضها في المبدأ ولو كان اعتراضنا قائماً على طريقة تكليف ميقاتي، لكن إن تشكلت من لون سياسي واحد وقدّمت بياناً وزارياً يتناقض مع المبادئ التي وضعت من قبل قوى 14 آذار واجتماع دار الفتوى فستكون معارضتنا لها واضحة وقويّة».
يضيف المصدر المقرّب من الرئيس الحريري: «إذا اتخذت الحكومة أية إجراءات تتعلق مثلاً بقطاع الاتصالات أو سواه فسنواكبها بطريقة جدية وعبر عمل نيابيّ جدّي قوامه 60 نائباً سيقومون بعملهم كمعارضة، وسيكون هذا الواقع النيابي المعارض هو الأول منذ العام 1975 ومنذ عام 1990 ومنذ عام 2005، لأنه في هذه التواريخ تحكمت بالمعارضة فوضى الحرب، ثم سوريا، في حين شهد لبنان منذ عام 2005 حكومات مشتركة. إنها المرّة الأولى التي ستنشأ فيها معارضة جدية من خارج مجلس الوزراء وستطال المواضيع كافّة وهي أساسية بدءاً من وضع «حزب الله» الى المحكمة الدولية الى بقية القضايا الأمنية والاستراتيجية».
النبرة السياسية الحادّة التي اعتمدها الرئيس الحريري أخيراً تجاه «حزب الله» أولاً ثم تجاه إيران وخصوصاً في خطابه في ملتقى رجال الأعمال السعودي اللبناني أعادها البعض الى إيعاز دولي أو خليجي، ينفي المصدر المقرّب من الرئيس الحريري هذا التلويح قائلاً: «لم يكن كلام الرئيس الحريري عن إيران بإيعاز لا دولي ولا خليجي، ثم إن الكلام ليس جديداً بمضمونه، فمنذ اللحظة الأولى للتغيير عام 2005 عكف الرئيس الحريري وفريقه السياسي وحلفاؤه على التعبير عن هذا المضمون لكن المواقف جاءت مستترة قليلا ولا تتسم بهذا الوضوح. كان الموقف هو الآتي: ثمة إشكالية مع فريق سياسي حزبي إيديولوجي لبناني لديه تنظيم عسكري مهمّ ومتحالف بحلف شبه معلن مع ايران، ما يخلق إشكالية للرؤية الوطنية والسياسية لقوى 14 آذار عن كيفية حماية لبنان والنأي به عن المخاطر الداخلية والخارجية. بالطبع إن السلاح كان عنواناً أيضاً لكنه السلاح المؤشر الى التنظيم العسكري المستقلّ لـ«حزب الله» والذي يعرّض الداخل نظاماً وبلداً لمخاطر خارجية ناجمة عن التحالفات التي ينسجها الحزب في المنطقة، خصوصاً مع إيران، وليس موضوع السلاح منفصلاً عن ذلك، نحن نتكلّم عن تحالف عسكري أمني واستراتيجي ولا نتكلم عن أهدافه لو كانت جيدة».
ويفسر المصدر نفسه النبرة العالية للرئيس الحريري بالقول «هو يعتبر نفسه اليوم أنه أصبح في المعارضة ولو بقي في حكومة تصريف الأعمال. في الموقع المعارض من الممكن التعبير عن موقف سياسي مغاير للموقف في الحكم. في الحكم يسعى رؤساء الحكومات لتدوير الزوايا ويبحثون عن مواقف جامعة للأطراف السياسية، خصوصاً في الحكومات الوفاقية. لكن مواقف رئيس الحزب المعارض تنطلق من رؤيته للمخاطر المتأتية من مواقف إيران على الساحة اللبنانية عبر «حزب الله» ما ينعكس مخاطر على البلد، وتعبير الرئيس الحريري في المعارضة لا ينطلق من أن إيران هي بلد عدوّ، بل هي بلد شقيق لكن النقد هو من باب العتب».
أما السبب الآخر للنبرة العالية فيردّه المصدر المقرّب من الرئيس الحريري الى أنه «في الفترة الماضية حصل تفاقم في هيمنة سلطة «حزب الله» على النظام السياسي بطريقة مباشرة وغير مباشرة، هذا الاستقواء يعززه البعد الإيراني، وبالأبعاد كلّها حصل تراكم». أما السبب الآخر للنبرة القوية فهو «التصريحات التي صدرت إزاء أحداث الخليج والمرادفة للموقف الإيراني واعتبر الرئيس الحريري أنها تهدّد مصالح لبنان الاقتصادية نظراً الى أهمية الخليج بالنسبة الى لبنان، وعندما يتعلق الأمر بالانحياز للعروبة في أي تجاذب حاصل لا يمكن الحياد في هذا الموضوع».
هل الموقع المعارض الذي يتخذه الحريري اليوم يجعله يتخلى عن مبدأ الحياد الذي نادى به مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان والذي تظهّر جلياً إبان التصويت بالامتناع عن التصويت بفرض العقوبات ضدّ إيران في مجلس الأمن الدولي؟ يجيب المصدر المقرّب من الرئيس الحريري: «لن يتخلى الرئيس الحريري عن فكرة تحييد لبنان عن لعبة المحاور، وعندما اتخذ موقفاً بالنسبة الى إيران فقد كان لحماية لبنان وتجنيبه أن يكون في محور تقوده إيران وله وجود فعلي ومادي في لبنان، هو موقف دفاعي وحمائي. والسؤال هل نريد أن نكون في محور أميركي أو سعودي؟ بالتأكيد لا، وهل نريد أن نكون في محور يدّعي الممانعة تقوده إيران ويضع لبنان في سياسة المواجهة، بالطبع لا. علماً أن الرئيس الحريري لا يمكنه وضع لبنان في محور معين، والفارق أن «حزب الله» بموقفه السياسي يضع لبنان عملياً ضمن هذا المحور، فالرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يقول علانية إننا على تحالف مع المقاومة وعلى رأسها «حزب الله»، أي أن إيران هي على تحالف أمني وعسكري واستراتيجي مع «حزب الله»، ما يضع لبنان في هذا المحور بأرضه وشعبه بخيار من «حزب الله» وليس من المؤسسات الدستورية الشرعية اللبنانية ورئاسة الجمهورية».
وعن موقف «حزب الله» بالردّ على الحريري، خصوصاً بعد خطاب أمينه العام الأخير حيث شبه خطاب الحريري بالخطاب الإسرائيلي قال المصدر إن كلام التخوين لكل من يناقض الرؤية السياسية للسيد نصرالله «ليس جديداً، إلا ان الرئيس الحريري لا يتهم «حزب الله» بالخيانة، وبرأيه إن الحزب مخطئ بطريقة تعاطيه في الداخل اللبناني وبفرضه تحالفاً لا يخدم لبنان. أما القول بأن الحريري يتماهى مع الطرح الإسرائيلي فهو ليس إلا اسلوباً لإيقاف أي حوار جدّي حول الخلاف على العناوين الكبرى».
سوريا ومصر
وعن مقاربة الرئيس الحريري وفريقه السياسي لما يجري من تطورات في سوريا وهل صحيح أن ثمة رهان على تداعي النظام السوري؟ يقول المصدر المقرّب من رئيس حكومة تصريف الأعمال: «بالتأكيد ليست لنا رهانات مماثلة، سوريا هي البلد الأقرب إلينا جغرافياً وتاريخياً وسياسياً، وما يحدث مهمّ جدّاً للبنان من النواحي كلها سواء أمنياً أم لناحية الاستقرار والنهوض والازدهار وكل ذلك ينطلق من باب أهمية العلاقات لكن بمبدأ عدم التدخّل والالتفات كل واحد لمشاكله، لأنه تكفينا المهمات الملقاة على عاتقنا وعلى عاتق الشعب السوري لناحية التأسيس لمستقبل أفضل، وهذا لا يحتاج لتدخل من الخارج ونحن نجاهد لحماية لبنان من التدخلات الخارجية ومن مصلحة كل لبناني أن يكون الوضع جيداً في سوريا بالمعنى الذي يراه السوريون فيه جيداً، أي بلد مزدهر حيث الناس مرتاحون ومصالحهم مؤمنة عبر سياسات وخيارات يشاركون فيها».
يضيف: «بالطبع نحن متألمون لما وقع من قتلى وجرحى وثمة مبادئ نؤمن فيها بحق الفرد والجماعات بالتعبير عن رأيهم بحرية، موقفنا من الحريات الأساسية للإنسان ينطلق من موقف أخلاقي ومعنوي ولا يعني تدخلاً للتأثير في مجرى الأمور وخيارات الشعوب». ويؤكد المصدر عدم صحة كل ما نسب من ورايات حول تدخل شخصيات لبنانية من «المستقبل» أو فريق 14 آذار في أحداث سوريا.
وعن سبب تأجيل زيارة الرئيس الحريري لمصر يوم السبت الماضي قال المصدر: «كانت الأسباب لوجستية إدارية بحتة، لها علاقة بالمواعيد المصرية لكن الزيارة ستحصل قريباً جداً».
وحول تأثير ما جرى في مصر على فريق 14 آذار، يجيب المصدر «في رأينا أن أي تعزيز للديموقراطية في مصر يقوّي دور مصر الذي يخدم العرب جميعهم ولبنان في طليعتهم، لأن هدفنا هو الوصول الى استقرار حقيقي نابع من ديموقراطية حقيقية واي أمر يتلاقى مع هذا الهدف هو إيجابي حتماً».