(2).jpg)
يُسجل في هذه الأيام سوابق لم يشهدها لبنان من قبل. حتى القضاء وهو السلطة التي يلتجئ اليها الناس عادة، لم يسلم من الجنون الذي يفتك في البلد على المستويات كافة. على الرغم من كل التحديات السياسية والمعيشية والاجتماعية، لم يمّر على اللبنانيين مشهد شبيه بمشهد الجمعة والسبت الماضيين، وتحوّل قرار كفّ يد مدعي عام الاستئناف في جبل لبنان القاضية غادة عون عن القضايا المالية، إلى أزمة جديدة تضاف الى أزمات هذا البلد التي لا تنتهي. فعون وكما بات معلوماً، لم تلتزم بقرار النائب العام التمييزي غسان عويدات. وزيرة العدل لم تتخذ قراراً حاسماً، فيما الاجتماعات القضائية المكثفة تتوالى، للوصول الى نتيجة تحفظ أقله ماء الوجه، امام تمرّد قاضٍ على قرارات رؤسائه، ليدور الحديث الأكثر خطورة حول الخشية من انقسام القضاء، بعدما أعدّ كلّ فريق عدته الشعبية، بين مؤيد للقاضية عون، وآخر داعم للقاضي عويدات. فماذا ستكون عليه السلطة القضائية في المرحلة المقبلة؟
رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق القاضي غالب غانم، يبدي أسفه وحزنه الشديدين لما آلت اليه الأمور في السلطة القضائية، فلا هذه رسالة القضاء ولا هذا الدور الذي نعوّل عليه، متحدثاً عن خطر كبير على هذه السلطة وعلى المجتمع اللبناني، الذي لا ملاذ له بقضاياه الشخصية وحقوقه المعنوية والمادية الا بالقضاء. لكنه إزاء الخطر الكبير، لا يرى القاضي غانم أن الأمور ستصل الى درجة انقسام هذه السلطة عامودياً وأفقياً وطائفياً، “فالقضاء لم ينقسم منذ الاستقلال ولا قبله، على الرغم من كل التباينات التي حصلت”.
ويشير، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أنه حين انقسم الجيش اللبناني العام 1975، بقي القضاء متماسكاً وموحّداً على الرغم من كل التحديات حينها، مؤكداً أن انقسام القضاء مرتبط بانقسامات أخرى تبدأ من السياسة والأمن والمجتمع لتصل بعدها الى السلطات الرسمية، والقضاء واحد منها. لكنه في المقابل يبدي خشيته من الخطر الداهم والكبير المتمثل بترويض القضاء بمعنى، أن تغتنم السلطة السياسية، التي ليست دائماً حريصة على السلطة القضائية، تفاقم الأمور التي بدأت تظهر للناس، لإضعاف القضاء والهيمنة عليه كلياً، بحجة الغيرة على استقلاليته.
ويرى أن السلطة السياسية ستبحث كما تفعل دائماً، عن مفاصل ضعيفة في القضاء لتقوية هيمنتها عليه، مفنداً أبرزها:
ـ “لا يزال قانون استقلالية القضاء في مجلس النواب، ومن ضمنه بند التشكيلات القضائية، التي وعلى الرغم من نداءات مجلس القضاء الأعلى المتكررة منذ سنوات طويلة، لم تحل هذه القضية، ليخيّل إلينا أنها مرتبطة بأزمة الشرق الأوسط.
ـ بعد حوالي الشهر ونصف الشهر تقريباً، تنتهي ولاية الأعضاء غير الدائمين في مجلس القضاء الأعلى. ويعتبر تعيينهم من المفاصل التي يمكن للسلطة السياسية استغلالها، فتجرى التعيينات من خارج إطار الشكل المرجو أو الذي يريده الغيارى على القضاء.
ـ انقسام اللبنانيين الى فئتين، كل منهما مؤيد لفريق قضائي معين، يعد إضعافاً للقضاء وليس انقساماً فيه”.
وإذ يناشد القضاة إيقاظ ضمائرهم أكثر، حتى يتمكنوا من التصدي لإضعاف السلطة القضائية والهيمنة عليها، يؤكد أن قضاة لبنان بأغلبيتهم الساحقة لم يفقدوا ضميرهم الذي يجعلهم يشعرون بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقهم، وهم سيقفون بضميرهم المهني ووجدانهم، بوجه خطر الانقسام، على الرغم من كل التباينات والإشكالات.
يتناغم مع القاضي غانم، مرجع قضائي متابع لقضية عون ـ عويدات، إذ يشدد على أنه تنظيمياً وهرمياً، لا يمكن اعتبار أن القضاء امام تحدي الانقسام، بل امام تحدي التمرد، باعتبار أن هناك قضاة يتمردون على السلطة المباشرة عليهم وبالتالي يجيرون المنصب والصلاحيات الممنوحة لهم، لغايات تختلف تماماً عن الإطار المهني والوظيفي.
ويتأسف، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، لأن التدخل السياسي في القضاء عمره من عمر الجمهورية اللبنانية، إذ لم تكن هذه السلطة الدستورية ـ القضائية يوماً مستقلة تماماً. يضيف، “في الدستور وعلى الورق السلطة القضائية مستقلة، لكن في التطبيق والممارسات، تتدخل السياسة بشكل تفصيلي في القضاء ليس فقط لناحية التشكيلات القضائية، انما ايضاً في مسار العديد من الملفات لا سيما تلك التي ترتدي طابعاً سياسياً”.
لا يعتقد المرجع القضائي ان الحلّ القانوني يكون فقط بقانون استقلالية القضاء، لافتاً الى لأننا لا نشكو من قلة القوانين، إنما من عدم تطبيقها، مضيفاً، “القضاة اليوم امام تحدي احتواء حالات التمرد التي تحصل، لأن هناك نماذج كثيرة مماثلة للقاضية غادة عون في الجسم القضائي، كما هناك الكثير من الكفوئين الحريصين على هيبتهم وهيبة السلطة التي يمثلونها”. ويطلب من نادي قضاة لبنان والتفتيش القضائي ومجلس القضاء الأعلى ووزيرة العدل، القيام بأدوارهم القانونية، لأن الحل يجب أن يكون من داخل الجسم القضائي لا من خارجه.
