#dfp #adsense

21 نيسان 1994 عند درج غدراس

حجم الخط

في تلك اللحظة خلصت الدني. توقف الزمن عند درج غدراس، حين نزل الحكيم آخر خطواته في الحرية نحو الاعتقال. كان يوم خميس والطقس ربيع من عبق زهر نيسان، لكن لحظة اعتقلوه غابت الشمس فجأة، بهت ضوء النهار، صارت الالوان رمادية تميل الى سوادها، من لون الاحتلال السوري تماما، ومن لون عملائه الذين أمعنوا في وفائهم للعمالة ولخيانة أبناء بلدهم.

في غدراس كان الحكيم ينتظر اللحظة، عرف انهم آتون لاعتقاله، سبقتهم اليه الكثير من النصائح بضرورة الاسراع في الرحيل، ولم يستمع لاحد، عزّت على نفسه الذهاب ليضحي عنه مئات الشباب الملاحقين في كل الاتجاهات. عزّت على نفسه أنْ يقال إن القائد ترك رفاقه يتعرضون للتعذيب وفرّ هو وزمط بجلدو. قرر الا يزمط من الاعتقال كي لا يكون أسيراً للمهانة والجبانة طوال حياته.

“بشوف وجكن بخير”، قال للشباب حين اقتادوه كمن اصطاد صيداً ثميناً، وهو كان كذلك، اصطادوه ع المرتاح من دون ان يتعذبوا ويطاردوا ويلاحقوا ويعذبوا رفاقاً أكثر بعد له ليعترفوا لهم عن مكان هروبه. كان الهروب ضرباً من المستحيل “مش ممكن كان انو اترك الشباب يتعذبوا حتى أنا أهرب وأرتاح برات البلد”، قال الحكيم مرة.

دخل الحكيم في ذاك النيسان الى الاعتقال، ودخلت ايامنا في الغروب، كانت اللحظة أقسى بكثير من قدرة الشباب على الاستيعاب، بكوا، ضربوا رؤوسهم في الحيطان، انهاروا صرخوا ندهوا للحكيم ولم يجدوه، فتاهوا. لم يعرفوا على وقع هول اللحظة، ان تاريخ المقاومة اللبنانية بدأت تكتب سطور جديدة لها، سطور من شعاع الشمس الذي شعرنا لوهلة انها غابت من حياتنا، كانت بدأت تشرق علينا شمس جديدة، من زنزانة الاسير التي صارت صومعة، ومن نضال كان بدأ يرسم خطوط تاريخ جديد لا يمكن للأيام ان تمحوه ولا ان تحيد عنه.

“كنت ببشري وقت اعتقلوا الحكيم. قبل الاعتقال كنت شوف انا وكتار من الرفاق، انو مسألة اعتقالو شبه مستحيلة. يمكن ما كان بدنا حتى نصدّق هالاحتمال. علماً انو كانت الاجواء والمعلومات المتواترة الينا توحي بذلك، ما كان يخيفنا فعلا اننا كنا نعلم انه إذا ما حصلت محاولة الاعتقال، فالحكيم لن يقاوم ورح يسلّم نفسو. ولما اعتقلوه، اعتبرنا انها النهاية، نهايته ونهاية القوات ونهاية لبنان. شعرنا بأنو الدني خلصت بلحظتها، كان يوم خميس وحسيت بأن نور الشمس حزين باهت، لم أكن معه كنت ببشري والمخابرات تلحق بنا من بيت لبيت ونحن نهرب ونختبئ، واعتقل يومها رفاق ورفيقات كثر كثر، خصوصاً مَن كانوا مع الحكيم بغدراس، لم اعتقل يومها انما تمكنوا مني لاحقا ومرات متعددة متل ما بتعرفي فيرا”، يقول النائب السابق رفيق الحكيم في النضال ايلي كيروز.

لما خرج الحكيم مع جلاديه من غدراس، انهار من بعده كل شيء، هول المفاجأة أغرق الجميع باليأس المطلق، ظن الجميع انهم لن يروه بعد الان، “كنت مؤمناً أننا سنعود ونرى وجهه بخير، على الرغم من هول اللحظة كان عنا امل خفي انو هاللحظة لن تدوم الى الابد، والحكيم سيخرج حتما وكل شيء سيتغير. صحيح لم أكن اتوقع ان تكون طويلة الى هذا الحد مدة الاسر، لكن حدثي كان يخبرني دائماً ان الاوضاع السياسية ستتغير لصالحنا وسيعود الحكيم”، يضيف كيروز.

سبعة وعشرون عاماً مرت، عبرت خلالها القوات بالكثير من المطبات، خرج الاحتلال السوري ليتحكم بمفاصل لبنان ما هو اسوأ بكثير، الاحتلال الايراني، اين ذهبت تضحية الحكيم والرفاق الشهداء؟ “تضحيات القوات لم تذهب سدى، بل على العكس، منذ الـ2005 لليوم أصبحنا اقوى في الساحة اللبنانية، عبّينا مطارحنا ولا نزال نناضل، حاربنا الاحتلالات السابقة والآن نحارب الهيمنة الإيرانية. القوات مش خسرانة، القوات تبقى أمينة على مبادئها التي وُجدت لأجلها، لم نتراجع يوماً، كبر حجمنا الشعبي والسياسي، وهي تناضل الان بشكل اساسي ضد وضع اليد الايرانية على لبنان، وسننتصر انا أؤمن بذلك”، يقول كيروز.

كانت مشاعر الشباب تتأرجح بين محاولة اقناع الحكيم بالرحيل سريعاً، وبين رغبتهم الدفينة ببقائه كي لا يقال لهم يوماً “شو هالقائد لـ بيترك شبابو تـ يخلّص حالو”، ومع ذلك عندما دوت اللحظة الكبيرة ظنوا ان الوطن انتهى “ما بقدر اوصف تلك اللحظة بمعناها الانساني العميق، لكن بالنسبة الي كانت مفصل تاريخي كتير كبير، ما كنت مقدر حجم اللحظة، بعدين وبعدما هديت الامور، استوعبت وقدرت حجم هالفعل بالتاريخ. كان اعتقال الشباب بدأ منذ تفجير كنيسة سيدة النجاة، والاضطهاد والتعذيب ماشي، لكن اول مرة بتاريخ لبنان الحديث نعيش ونشهد على مساواة قائد بهالحجم مع رفاقه المناضلين، الحكيم ساوى حالو فينا وقت رفض الهرب، وسلّم حالو ليكون على ذات مستوى المواجهة مع الرفاق لـ اعتقلوا قبله خصوصاً وقت أعلن انو بس يجي الدور عليي، انا متلي متلن ما بفل”، يقول المناضل شربل ابي عقل، الذي يروي تلك اللحظات بكثير من التأثر والفخر بتاريخ المقاومة اللبنانية، “هيدا هو المعنى الحقيقي للمقاومة والمواجهة الشجاعة لـ كنا عم نشوفو وما كنا مصدقين هالشي، الحكيم جسّد هالفكرة النبيلة بكل ابعادها. والنقطة الاهم من البعد السياسي لتلك اللحظة التاريخية، ان قرار القائد ان يكون متساوياً مع رفاقنا أنعش الشعلة بقلوبنا، لان وهو في الاعتقال جسّد قضيتنا، ويمكن لو ضب غراضو وفل، ما بعرف اذا كانت رح تبقى هالشعلة مضواية، اعتقاله ابقى الشعلة مشتعلة الى حين مرور الازمة وعودة الشمس الينا العام 2005، تاريخ تحرير لبنان والحكيم”، يضيف ابي عقل.

اين اصبحت تضحية الحكيم ولبنان تحت الاحتلال؟ “ليكي الحزب اليوم وين صار، يومذاك اعتبروا انو خلصنا وقالولنا ونحنا بالحبس روحوا دبروا حالكن، نضالكن راح ضيعان، ليكي وين صرنا وهني وين صاروا. باللعبة السياسية صحيح هني منتصرين، لكن بالشق النضالي أصبح لدينا 15 نائباً بجهدنا الشخصي من دون تحالفات. قضية القوات صارت بحجم شعب ووطن، المهم ان نبقى بصلابة الايمان، اذا خسرنا الايمان لن نصمد. وبطلب من كل لـ عاشوا المراحل الماضية ومن الجيل الجديد انو يضلوا مؤمنين بقضيتنا للآخر، وتضل الشعلة ولعانة فينا حرية ونضال لأجل لبنان، يوصي ابي عقل.

“كانت ظروف اعتقالي قاسية جدا، وعلى الرغم من ذلك كان يسودني دائما اطمئنان غريب مردّه الى انني كنت اعيش قناعاتي ولو على مساحة 6 أمتار مربعة فقط. بقيت روحي حرة وهذا هو المهم. المساجين الحقيقيون هم هؤلاء الذين صنعوا سجناً لأنفسهم من خلال تلبّسهم قناعات الغير طمعا بمنصب او مكسب او تجنباً لاضطهاد او اعتقال، لذلك كنت الاكثر حرية في تلك المساحة الضيقة”، قال سمير جعجع.

سبعة وعشرون عاماً مرت على تلك اللحظة. لم ننسها يوماً ولن نفعل ليس لأنهم اعتقلوا سمير جعجع والقوات، لكن لانهم اشعلوا رغماً عنهم شعلة فينا لن تنطفئ عمرا اسمها القوات اللبنانية، اسمها الحرية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل