ألقى الأستاذ الجامعي لمادة القانون الدولي المحامي الدكتور أنطوان أنطوان سعد في مقر الأمانة العامة لقوى 14 آذار في ذكرى اندلاع الحرب في 13 نيسان 2011 محاضرة عن مفهوم العدالة الجنائية الدولية.
نص المحاضرة كاملاً:
المقـدمــة
قد تكون العدالة تراثاً وثقافة وروحاً وظِلًّ سماء وجموح نفس إلى تحقيق ما تلقته من أماثيل تحدّرت إليها من قِمم الأديان والفلسفات والنظريات والمذاهب . ولكنها لا تكتمل إلا إذا انفسحت لها على الأرض فُسحات، وتكوّنت بُنيات وهُيِئت أدوات، وانهمرت طاقات واستوت ممارسات …
فالعدالة الدولية هي من تجارب الماضي ومن ضرورات اليوم ، ومن علامات الغد وهي مجموعة من التفاعلات التراكمية ، البدائية والحضارية التي عَمَدَ الفكر المعرفي الإنساني إلى ابتداع الأساليب والوسائل التي تَصلُح لتحقيق أهدافه وضمان أمنه وحمايـة مصالحه تجاه الغير ، إذا ما تمّ الخروج على قواعد القانون الدّولي ومخالفتها .
ومنذ القرن السابع عشر راحت معالم الفَصل بين النقل التاريخي للأحداث وبين أعمال الدولة تتضح بفضل 5 عوامل : 1 – نشوء مفهوم الدولة ، 2 – مصادرة الدولة للجزاء الوطني الداخلي والخارجي ، 3 – تناقل العديد من الوثائق المبرمة في معاهدات الصلح أو الإستسلام بعضاً من الصور الجزائية المدونة ، 4 – النهضة الفقهية التي أرست اللبنات القانونية لمفهوم الجزاء الدّولي حول الجرائم المُصنّفة من قبيل الإبادة والتطهير العرقي والديني وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ، 5 – تجربة المجتمع الدولي مع العدالة الدولية لا سيما في القرنين الأخيرين .
الجزاء الدولي موضوع جديد في القانون الدولي العام بقيَ حتى بداية القرن العشرين رهن السلطان السيادي للدولة . ولكن مآسي الحربين العالميتين حثَّت المسؤولين على وضع نِظام فعّال لحماية الحقوق والحرِّيات والمبادىء والمصالح العامة في العالم . والتطوّر في منظومة الجزاء الدولي تجلَّى في مساءلة الأفراد جزائياً أمام المحاكم الجنائية الدولية .
القانون الدولي الجنائي
أهم الجرائم الدولية – المحاكم الدولية الجنائية
النشأة والتطور في العصور القديمة حتى نهاية القرن الثامن عشر :
أول تطبيق في التاريخ المصري القديم جرى سنة 1286 قبل الميلاد . عندما أقدم " نبوخذ نصر " ملك بابل بإجراء محاكمة ضد "Sedecias " ملك يودا "Judas " المهزوم .
عند الإغريق :
أفلاطون ترك في كتابه "Critius " روى أن إله البحر "Posseidon " قد قسّم مملكته على أبنائه العشرة لكل منهم إقليماً متكاملاً بأرضه وأشخاصه . كما أخضعهم إلى قواعد محدّدة نقشت على عمود معدني تقضي بإنشاء جمعية إستشارية .
عند الرومان :
قرّر شيشرون "Ciceron " خطيب روما كما قرّر "Seneque " فيلسوف روما وجود جمهوريتين : إحداهما كبرى وتتّسم بالعمومية وتضم الآلهة والبشر جميعاً والثانية صغيرة ينتمي إليها الفرد بميلاده . أوائل الفلاسفة الذين نادوا بوجوب محاكمة مجرمي الحرب المأخوذ بها في وقتنا الحالي وقد جرت أيضاً في إيطاليا محاكمات لمجرمي الحرب في القرن الخامس ق.م.
قبل الإتحاد المسيحي :
"St. Augustin " ، " مدينة الله " مع الحرب إذا كانت لدفع عدوان ظالم .
في التاريخ الحديث عقدت محكمة دولية شاركت سويسرا في إنشائها سنة 1474 للنظر في قضية " Sire Pierre de Hagenbach " آشيدوق النمسا في ذلك الحين والذي تعرّض لضائقة ماليـة اضطر على أثرهـا إلى التنازل عن ممتلكاتـه الواقعة في إقليم " Bourgogne " . وعندما بدأ في شنّ الهجمات والغارات الوحشية على الدول والمدن ، قامت كل من فرنسا والنمسا واتحاد المدن السويسرية وصغار الأمراء المُتَوَطنين على نهر الراين بمواجهته وتمكنوا من القبض على " Hagenbach " في 11/4/1474 وبعد شهر قدم للمحاكمة أمام محكمة عليا غير عادية إشترك فيها بعض قضاة سويسرا وانتهت بعد مداولات عديدة إلى الحكم بالإعدام .
– معاهدة " وستفاليا " :
1648 التي كرّست مبدأ ميزان القوى بين الدول لأول مرة ، مما استدعى بالدول المتنافسة أن تقوم بإنشاء السفارات والبعثات الدائمة من أجل مراقبة بعضها البعض (الشامي ص 110) .
وبعد الثورة الفرنسية ، التي كان لها أثرها على العالم بأسره كونها نادت بحرّية كل شعب في المجتمع الدولي ، حيث أخذ نور الحرية والتسامح يلوح في سماء الملكيـات المستبدة .
– مشروع "De Sale " .
1810 دعوته لإنشاء المحكمة .
– مشروع "Godon " .
الذي نادى بحكومة الإتحاد الأوروبي وتتولى المحكمة الأوروبية الفصل في المنازعات التي تنشأ بين الدول الأعضاء .
" Gustave Moynier " 1872 وفي العصر الحديث كان أول من نادى بإنشاء قضاء دولي جنائي بعد أن طوره أمام معهد القانون الدولي في كامبردج تختص بالتحقيق والإستجواب .
إتفاقية لاهاي الثانية عشرة نصاً بشأن إنشاء محكمة دولية هذه المحاولة باءت بالفشل .
– دخل نابليون في حروب متوالية ، وأحسّ ملوك وقادة تلك الدول بالخطر العظيم عليهم فتحالفوا ضد الجيوش الفرنسية وتراجع نابليون أمامها وسقطت باريس . 31/3/1814 بعزل نابليون في جزيرة ألبا ثم تنازل عن العرش . عاد ثانية إلى باريس حيث هرب من جزيرته عندما سمع بانقسام الحلفاء حول اقتسام المغانم والمستعمرات وذلك في 16/2/1815 فتناسوا خلافاتهم وأصدروا تصريحاً في 13/3/1815 أن نابليون محروم من حماية القوانين . ثم تمكن الحلفاء من هزيمة نابليون نهائياً ، بعد 100 يوم في " واترلو " وقبض عليه وأكره على التنازل عن العرش للمرة الثانية . لم يطالب أحد لمحاكمته وعقابه بربطه على الإبقاء عليه كسجين مع اتخاذ بعض التدابير . في جزيرة " Ste Hélène " بقية حياته حتى مات في 5/5/1821 . والسبب إلى اتخاذ هذا الموقف هو عدم وجود قاعدة دولية جنائية .
الأوضاع الدولية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .(بداية تدوين القانون الدولي)
أ – إبرام معاهدة باريس عام 1856 ، إعترفت فرنسا بالمسيحيين في الشرق ومنحت رومانيا إستقلالها.
ب – 1856 تصريح باريس البحري ، إلغاء القرصنة وتحريم الحصار البحري .
ج – تعليمات الرئيس بتنظيم الحرب البرية سنة 1863 .
د- 1864 إتفاقية " جنيف " بمعاملة الجرحى ومرضى وأسرى الحرب .
ﻫ – سنة 1868 تصريح بيترسبرج لسلوك الدول المتحاربة لاعتبارات إنسانية .
و – 1873 أًنشئت جمعية القانون الدولي .
ز – 1874 عقد في بروكسل مؤتمر للبحث في قواعد الحرب البرّية .
ح – 1899 لاهاي للسلم ونزع السلاح بحضور 26 دولة . تحريم إستعمال الأسلحة السّامة وتحريم قتل جنود الأعداء .
– مؤتمر لاهاي الثاني لعام 1907 (مؤتمر معاهدات إحترام القوانين والأعراف في الحرب البرية والبحرية) .
ثانياً : مرحلة ما بين الحربين العالميتين .
بعد الحرب العالمية الأولى إقترحت لجنة المسؤوليات في مؤتمر السلام في 25/1/1919 بأن يُحاكم مُجرمي تلك الحرب ، الوفود الأميركية واليابانية عارضت ، غير أن تلك المحكمة لم تنشأ ولم يُحاكم أمامها أحد ، إذ كانت أوروبا مقسّمة إلى معسكرين لا سيما بعدما رفضت هولندا تسليم الإمبراطور " غليوم Gluom II " إمبراطور ألمانيا وبقي في هولندا حتى مات في 4/6/1941.
محاكمات "Leibsig " .
بعد الحرب الأولى ألمانيا أصرّت على أن تكون محاكمة المتهمين الألمان عما اقترفوه من جرائم أمام المحاكم الألمانية وبالفعل فقد أصدرت ألمانيا قانوناً سنة 1919 بإنشاء محكمة الإمبراطورية في مدينة "Leibsig " للنظر في جرائم الحرب التي ارتكبها الألمان طلبت من الحلفاء تزويدها بلائحة عن الأشخاص الذين ترغب الدول المتحالفة معاقبتهم . إلا أن معظم هذه المحاكمات كانت غير عادلة إذ لم تتمكن ألمانيا من محاكمة جميع المُتهمين بسبب هجرة بعضهم وعدم التعرّف على شخصية البعض الآخر بالإضافة إلى افتقار القضاة إلى الخبرة اللازمة ، وأن المحاكمات لم تكن تطبيقاً واضحاً لفكرة القضاء الدولي .
وهذه أمثولة يمكن أن يتمّ الإتّعاظ منها ، هل يملك القضاء قدرات للوصول إلى العدالة ؟
محكمة العدل الدولية :
أُنشأت في العام 1920 وفي العام 1946 حلّت مكانها محكمة العدل الدولية الدائمة وأن ولايتها إختيارية ومهمّتها الفصل في المسائل والخلافات القانونية بين الدول وتحديد المسؤوليات والتعويضات المحتملة إلا أن ولايتها مكبَّلة بقيدين .
فالمحكمة، لا تعالج إلا القضايا أو المنازعات ذات الصِفة القانونية والتي تكون الدول وحدها أطرافاً فيها (وليس الأفراد) . إن ولايتها الإختيارية لا تصبح إلزامية أو جبريـة إلا في حالتين :
– حالة الموافقة على عرض النِزاع على المحكمة .
– حالة إصدار تصريح من دولةٍ طرف في النظام الأساس للمحكمة .
النقاط الأساسية التي رسمها القانون الجنائي الدولي في أواخر القرن العشرين وحتى عصبة الأمم (قيام محكمة العدل الدولية) .
الأولى تبعية الدول الصغيرة والضعيفة للدول الكبرى .
والثانية الدعوة الصريحة إلى ضرورة وجود قضاء دولي جنائي ومنظمة دولية دائمة يتكفّلان بحفظ السلام في المستقبل .
وجـد المؤتمـر التمهيـدي للسلام ضرورة إستشارة عميد كلية الحقــوق بباريس الأستـاذ " Larnaude " و " De Lapradelle " .
وأخذ مؤتمر السلام في الإعتبار تحفّظات مندوبي الولايات المتحدة واليابان وتقرير الفقيهان الفرنسيان ، فلم تأخذ معاهدة فرساي للسلام الموقعة في 28/6/1919 باقتراح لجنة لم توافق هولندا على تسليم (الإمبراطور غليوم الثاني) ولم تقبل ألمانيا بتسليم رعاياها لمحاكمتهم أمام محاكم دول الحلفاء أو أمام المحكمة الدولية ، لأن الجرائم لم يرد ذكرها طبقاً للقانون الهولندي فضلاً عن أنه لا توجد قواعد دولية جنائية يُحاكم على أساسها الإمبراطور .
وطالبت ألمانيا بمحاكمة رعاياها أمام محكمة ألمانية ، صدر قانون ألماني مدينة "Leibsig " لنظر الجنايات والجنح المرتكبة ، وأن أحكام الإدانة كانت أحكاماً صوَرية وصادرة بعقوبات بسيطة جدا ً. وفي هذ الأمر عبرة عن من قال بوجوب إجراء محاكمات من قِبل محاكم لبنانية في جرائم الإغتيال .
– لم يحاكم " غليوم Gluom II " إمبراطور ألمانيا حيث امتنعت حكومة هولندا عن تسليمه ، حتى مات في 4/6/1941 ،
كلَّف مجلس عصبة الأمم في شباط 1920 لجنة إستشارية مكوّنة من 10 أعضاء من رجال القانون لوضع مشروع لمحكمة عدل دولية لأحكام المادة /14/ من الميثاق .
ساهم الإتحاد البرلماني الدولي في إنشاء وتطوير الكثير من قواعد القانون الدولي الجنائي . الدفاع عن فكرة القضاء الدولي الجنائي .
وفي الفترة الممتدة ما بين الحربين عقدت الجمعية الدولية للقانون الجنائي أول مؤتمر لها بحضور " Saldana " عن إسبانيا و" Donnedieu de Vabres " عن فرنسا ، و" Politis " عن اليونان ، و" Bellot " عن إنكلترا ، و" Garafalo " عن إيطاليا ، و"Pella " عن رومانيا . وساهمت جهود الجمعيات الدولية في إرساء وتشجيع فكرة إنشاء قضاء دولي جنائي نذكر منهم :
" Donnedieu de Vabres " وأصبح فيما بعد أحد قضاة محكمة نورمبرج التي شكلت عقب الحرب العالمية الثانية لمحاكمة كبار مجرمي الحرب الألمان .
الفقيه "Raux " و جهود الفقهاء الأميركان .
1934 حادث إرهابي أليم حيث اغتيل الملك " Alexandre I " ملك يوغوسلافيا ووزير خارجية فرنسا السيد "Parthou " تقدمت الحكومة الفرنسية إلى سكرتير عام عصبة الأمم بمذكرة تطلب فيها ضرورة تأمين معاقبة حاسمة واعترض عليه مندوب بريطانيا قائلاً بأن الوقت لم يحُن بعد لإنشاء مثل تلك المحكمة .
وانعقدت اللجنة 1936 ثم أقرّت مشروع إنشاء المحكمة الدولية الجنائية . أقرَّ المؤتمر في 16/11/1937 المشروعين :
شاءت الأقدار أن تتوقف الجهود بسبب نشوب الحرب العالمية الثاني في 6/9/1940بين دول المحور (ألمانيا، إيطاليا واليابان) .
ثانياً : مرحلة الحرب العالمية الثانية .
الأهوال والأحداث التي جرت أثناء الحرب العالمية الثانية ساهمت في نضوج كثير من أحكام القانون الدولي الجنائي وبصِِفة خاصة ما تعلّق منها بإنشاء محكمة دولية جنائية لمحاكمة .
أعلن كل من تشرشل رئيس وزراء بريطانيا وروزفلت رئيس الولايات المتحدة الأميركية تشرشل أن معاقبة هذه الجرائم يكون هدفاً من أهداف هذه الحرب .
تصريح موسكو الذي وقّعه كل من روزفلت وتشرشل وستالين ، وأنه يجب محاكمة القادة الألمان .
في مؤتمر سان فرانسيسكو بين وفود يمثلون فرنسا والإتحاد السوفيتي وإنكلترا والولايات المتحدة والذي تقرّر فيه إنشاء منظمة الأمم المتحدة، قدّمت الولايات المتحدة الإميركية خلال المحادثات فكرة إنشاء محكمة دولية عسكرية لمحاكمة كبار مُجرمي الحرب الأوروبيين. ممثلة بالقاضي "Robert Jakson ".
إجتماعات مؤتمر " بوتسدام " بعقد إتفاقية لندن الشهيرة بتاريخ 8/8/1945 إنشاء محكمة عسكرية لمحاكمة مُجرمي الحرب الذين ليس لجرائمهم موقع جغرافي معيَّن سميت إتفاقية أو نظام نورمبرج . ثم صدر القانون تاريخ 20/12/1945 لمحاكمة مجرمي الحرب وفي 19/1/1946 صدر إعلان بإنشاء محكمة عسكرية دولية للمحاكمة في الشرق الأقصى يطلق عليها محكمة طوكيو لانعقاد المحاكمات في مدينة طوكيو باليابان .
وأُنشئت فعلاً محكمة نورمبرج ومحكمة طوكيو وقضت بإعدام عدد من المجرمين وبحبس آخرين . وجهّت إلى هذه المحاكم عدة إنتقادات محاكم مؤقتة وجدت من أجل جرائم وقعت قبل النص على المعاقبة عليها وعلى إنشاء المحكمة ، وأنها مشكلة من قضاة متحيِّزين وبسبب هذه الإنتقادات البحث نحو وضع قانون للجرائم والعقوبات وإلى إنشاء محكمة دولية جنائية دائمة .
رابعاًً : جهود الأمم المتحدة .
تصدّت الأمم المتحدة منذ نشأتها للقيام بهذا الدور وأقرّت في 11/12/1946 مبادىء القانون الدولي التي تضمنتها لائحة محكمة نورمبرج ، اقترحت إنشاء لجنة قانونية دائمة أطلق عليها لجنة القانون الدولي .
المشروع قد أقرّته الجمعية بالإجماع في 9/12/1948 إتفاقية عرفت بإتفاقية مكافحة جريمة إبادة الجنس البشري .
تقدّم الدكتور " Ricardo Alfaro " مندوب النمسا بتقريره أن إنشاء محكمة دولية جنائية أمر ممكن ، ولا تتخذ الإجراءات الدولية الجنائية إلا بمعرفة مجلس الأمن .
ثم اجتمعت لجنة القانون الدول لمناقشة التقريرين السابقين وانقسمت على نفسها قسم يعارض ، وقسم يؤيد إنشاء تلك المحكمة ويضم الأغلبية .
المحاكم الدولية الجنائية المؤقتة .
أربع محاكم دولية جنائية مؤقتة – محكمة نورمبرج ومحكمة طوكيو ، ومحكمة رواندا . محاكمات نورمبرج يؤرّخ معها نشأة القانون الدولي الجنائي ، وكذلك محكمة طوكيو . يوغوسلافيا رواندا خطوة إلى الأمام ، (نورمبرج وطوكيو) نشأت بمقتضى إتفاق دولي بين دول الحلفاء الأربع في الحرب العالمية الثانية ، نشأت المجموعة (يوغوسلافيا وروندا) بقرار من مجلس الأمن .
نظام محكمة نورمبرج .
1 – محكمة نورمبرج ، للنظر في الجرائم التي ارتكبها كبار مجرمي الحرب الألمان .
2 – يؤخذ عليه أنه لم يسمح باشتراك دول الحلفاء الصغرى واقتصر فقط على الدول الكبرى ، كما أنه لم يسمح بمساهمة دول محايدة .
3- وفي حالة مرض القاضي يحلّ محلّه نائبه ، وفي هذا مخالفة لمبدأ شفوية المحاكمة الذي يُعدّ من المبادىء الجوهرية والذي يفيد حضور هيئة المحكمة كل جلسات المحاكمة .
4 – لا يجوز ردّ المحكمة أو القضاة أو نوابهم .(في المحكمة الخاصة بلبنان يجوز ردّ القضاة) .
في المحكمة الخاصة بلبنان يجوز ردّ القضاة سنداً للمادة /28/ ف 2 التي تجيز الإسترشاد بالقانون اللبناني عند غياب النص والمادة /20/ حتى /30/ من قانون أ.م.م. تجيز ذلك .
يلاحظ أن النيابة العامة لا تعتبر جزءاً متمّماً للمحكمة إذ يكون انعقادها صحيحاً بالقضاة الأربعة . بعكس النظام اللاتيني الذي يجعل من النيابة العامة جزءاً متمّماً للمحكمة بحيث لا يكون انعقادها صحيحاً إلا بحضورها وتجلس على القوس بجوار أعضاء هيئة المحكمة .
5 – إختصاص لجنة الإدعاء (أو لجنة التحقيق والملاحقة) قبل المحاكمة .
– وضع مشروع بقواعد الإجراءات التي تتبعها المحكمة تنفيذاً للمادة /13/ من اللائحة وتقديمه للمحكمة للموافقة عليه بدون تعديله أو تعديله أو رفضه . وهذا ما يقوم به حالياً قضاة المحكمة الخاصة بلبنان مجتمعين وليس الأمر مناطاً حصرياً بلجنة الإدعاء .
6 – محاكمة الأشخاص الطبيعيين :
لا يُحاكم من الأشخاص الطبيعيّين سوى كِبار مُجرمي الحرب على أساس أن جرائمهم غير محدّدة بإقليم معيّن في المادة /6/ أما غير هؤلاء من المجرمين فيُحاكمون أمام محاكم الدول التي وقعت جرائمهم فيها أو أمام محاكم الإحتلال أو أمام المحاكم الألمانية حسب الأحوال .
7- إسباغ الصفة الجرمية على المنظمات والهيئات .
أثناء نظر تقرّر هذه المحكمة أن الهيئة أو المنظمة التي ينتمي إليها منظمة إجرامية فيما الأمر غير جائز في المحكمة الخاصة بلبنان .
8- المحاكمة الحضورية أو الوجاهية :
تُقرأ ورقة الإتهام في الجلسة ، ثم تسأل المحكمة كل متهّم أي حضورياً .
فيما أمام المحكمة الخاصة بلبنان يمكن محاكمته حضورياً بشتّى الوسائل الإلكترونية إذا لم يشأ الحضور .
التطبيق العملي لمحاكمات نورمبرج .
لجنة الإدّعاء الأميركي " Robert Jackson " .
– فرنسا : العضو الأصلي " Donnedieu de Vabres " ، هو عضو اللجنة الدولية للقانون الجنائي الدولي .
أو رئيس النيابات العامة . ملاحظة : (كان مندوب الولايات المتحدة الشخص المكلّف بالتفاوض مع دول الحلفاء بشأن إنشاء محكمة دولية لمحاكمة مُجرمي الحرب) .
(وهذا ما ينطبق مع وضع القضاة في لبنان الذين أسهموا بقيامها ثم تبَوؤا منصب قاضٍ من بين أعضاءها القضاة ) .
أما المتّهمون .
أما المنظمات والهيئات التي تمت محاكمتها فهي : مجلس وزراء الرايخ ، هيئة قيادة الحزب النازي ، منظمة الأس .أس ، منظمة الجستابو ، هيئة أركان الحرب .
– دفوع الدفاع .
– الدفع بعدم إختصاص المحكمة . (كيف لا ، وقد انهارت الدولة الألمانية وباتت عاجزة عن الحكم وقد استقرّ العرف على أن يحلّ محلها) .
– الدفع بمسؤولية الدولة عن الجرائم الدولية وليس الأفراد . (وهذا غير مقبول لأنه لا يجوز تحميل الدولة مسؤولية شاملة عندما يكون الجرم صادراً عن إرادة شخص أو أشخاص معينين) .
– الدفع بعدم إحترام مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات . (هذا المبدأ وإن كان واجب الإحترام في مجال القانون الدولي الجنائي إلا أنه يجب أن يُطبق بمرونة أكثر لأن القانون الدولي ما زال حديث النشأة حيث لا يزال العرف أحد أهمَّ مصادره ) .
– الدفع بعدم وجوب تطبيق القواعد الجنائية بأثَر رجعي . (إلا أن العرف الدولي كان ينص وجوب المعاقبة) .
وكل المتهمين المحتملين الحاليّين أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يدلون بالدفوعات كلها .
محكمة طوكيو :
شارك فيها كل من الولايات المتحدة ، الصين ، بريطانيا ، الإتحاد السوفياتي .
لمحاكمة مُجرمي الحرب الكِبار في الشرق الأقصى .
وقد أغفل تقرير طوكيو الجرائم ضد الإنسانية وقيل عن هذه المحكمة أنها ليست إلا محاكمة منكسر من قِبل منتصر عليه ، وأنه كثيراً من المبادىء قد انتهِكت أثناء الدعوى .
النتائج الإيجابية والسلبية للمحاكم العسكرية الجنائية الدولية المؤقتة .
محكمتي نورمبرج وطوكيو إلى نتائج إيجابية قيام منظومة القانون الدولي الجزائي . وأهمّ المبادىء الإيجابية .
1- إقرار مبدأ المسؤولية الدولية الجنائية للأشخاص الطبيعيـن في القانون الدولي يشمل الأفراد ومسؤولية الأشخاص المعنويين .
2- المعاقبة على الجرائم ضد السلام ، وجرائم الحرب ، والجرائم ضد الإنسانية .
3 – تجاوز مبدأ الحصانة التي يتمتّع بها الرئيس (علماً أن هذه المحاكم لم تحاكم أي من الرؤساء بل فقط كبار الموظفين .
4 – تمّ الحكم بالإعدام والسجن المؤبد لبعض مجرمي الحرب .
معارضة فكرة قيام قضاء جنائي مؤقت .
نورمبرج وطوكيو لم تُحاكم أياً من رؤساء أو ملوك دول المِحور إقتصر الأمر على كبار الموظفين فيها . حتى حدوث محاكمة الرئيس الصربي " ميلوسيفيتش (توفي بالسكتة القلبية في ربيع 2006 في سجنه بلاهاي وتوقفت المحاكمة) .
المحاكم الدولية الجنائية المؤقتة التي قامت لاحقاً بعد أحداث يوغوسلافيا ورواندا .
منذ محاكمات نورمبرج وطوكيو وحتى أوائل العقد الأخير من القرن العشرين لم تنشأ محاكم دولية جنائية لمتهمين في جرائم دولية . على الرغم من العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 وحرب 1967 التي شنها إسرائيل على مصر وسوريا والأردن وفلسطين وﭭيتنام ، والإجتياح الإسرائيلي للبنان 1978، 1982، وجرائم الحرب والجرائم الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية ما زالت إسرائيل ترتكبها وعملية عناقيد الغضب ومذبحة قانا والمنشآت الحيوية (مثل الكهرباء والجسور) وسرقة المياه .
علينا أن ننتظر الأحداث الأليمة التي وقعت في يوغوسلافيا السابقة منذ العام 1991 لنرى تحرك مشاعر المجتمع الدولي .
ظلت أحداث يوغوسلافيا تلقي بظلالها الحزينة على المجتمع الدولي مما دفع مجلس الأمن إلى إصدار قرار في 22/2/1993 بإنشاء محكمة مؤقتة لمحاكمة مرتكبي جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية منذ سنة 1991 ، قراراً ثانياً في 8/11/1994 بإنشاء محكمة مؤقتة ثانية لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في رواندا في عام 1994.
ولكن وجود هذه المحكمة الفعلي لا ينزع إختصاص المحاكم الدولية المؤقتة ، بل ولا يحول دون إنشاء محاكم دولية مؤقتة في ظروف وفي حالات معينة .
المحكمة الدولية الجنائية لمحاكمـة مرتكبي الجرائم الدولية في يوغوسلافيا السابقة " ICTY ".
على أثر إنهيار الإتحاد اليوغسلافي السابق وتفكّكه منذ عام 1991 سَعت جمهوريات هذا الإتحـاد إلى الإستقـلال بإعلان كرواتيا وسلوفينيا (معظمها من المسلميـن) الإستقـلال عن يوغوسلافيا وصربيا والجبل الأسود ، أعلنت القوات الإتحادية الحرب على الكروات والسلوفين . ولم تنجح الإتفاقيات بين أطراف النزاع في بريوني بتاريخ 7/7/1991 في وقف الأعمال القتالية وعقد في لاهاي المؤتمر الأوروبي للسلام في يوغوسلافيا لم يصل إلى حلّ للنِـزاع القائم وقتئذٍ .
(يرجع أسباب هذا التدخل العسكري الصربي إلى أطماع صربيا ورغبتها في فرض سيطرتها على جمهورية البوسنة والهرسك التي كانت تعتبر قلب الدولة الإتحادية السابقة ، وإن كان الهدف المعلن هو حماية الأقلية الصربية والكرواتية التي توجد في الإقليم البوسني ، إذ أن نسبة عدد المسلمين في هذا الإقليم تمثل 42 ٪ من عدد السكان بينما نسبة الصرب 32 ٪ أي حوالي 1.4 مليون نسمة ، أما الكروات فنسبتهم حوالي 8 ٪ ويدين الصرب بالديانة المسيحية الأرثوذكسية بينما الكروات يدينون بالمسيحية الكاثوليكية) .
إن الإعتداءات الصربية لم تتوقف مما دفع مجلس الأمن مُستنداً إلى الفصل السابع فأصدر قراراً بتاريخ 22/2/1991 فرضَ حظر كامل وعام ، الأسلحة والمعدات العسكرية إلى يوغوسلافيا ثم بتاريخ 22/2/1993 بناءً على مبادرة فرنسية بإنشاء محكمة دولية جنائية لمحاكمة كل من ارتكب جرائم خطيرة ارتكبت في يوغوسلافيا .
وبعد ثلاثة أشهر أصدر مجلس الأمن قراراً رقم 827 بتاريخ 25/5/1993 بالموافقة على النِظام الخاص بتلك المحكمة الذي يضم 34 مادة .
الإختصاص الشخصي .
تختص محكمة مُجرمي حرب يوغوسلافيا السابقة بمحاكمة الأشخاص الطبيعيين فقط أي أنها تجاوزت مبدأ محاكمات المنظمات والهيئات والأحزاب الذين يرتكبون الجرائم الدولية المحددة فلا تختص بمحاكمة الأشخاص (المعنونين) كما الحال في محاكمات نورمبرج مثل الدول والشركات والجمعيات والمنظمات . وهذا شأن المحكمة الخاصة بلبنان التي لا تحاكم إلا الأشخاص الطبيعيين .
ولا يُعفى أحدهم من المسؤولية الجنائية أية كانت صِفتهم الرسمية سواء كان رئيساً للدولة أم للحكومة أم موظفاً كبيراً . لا تعتبر هذه الصِفة الرسمية سبباً من أسباب تخفيف العقوبة .
يمكن الحكم بموجب محكمـة يوغوسلافيا بالتعويضات الماليـة (راجع حرب ص 130) فيما " T.S.L. " تحيل طالب التعويض إلى المحاكم اللبنانية .
الإختصاص المكاني والزماني :
على كل أقاليم جمهورية يوغوسلافيا الإتحادية الإشتراكية . الأرضي والمائي والجوي . فيما الصلاحية في المحكمة بلبنان قد تطال أشخاص غير لبنانيين وموجودين خارج لبنان .
الإختصاص غير القاصر (أو غير الإستشاري) للمحكمة :
يشترك معها في هذا الإختصاص المحاكم الوطنية . ونصّ على أن الأولوية للمحكمة الدولية الجنائية .
هذه الحجية ليست مطلقة ، إذ يجوز أن تُعاد محاكمة ذات الشخص أمام المحكمة الدولية .
التطبيق العملي للمحكمة الدولية الجنائية لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة .
إنتخَب القضاة الأستاذ الإيطالي " Antonio Cassese " في 17/11/1993 ورئيساً للمحكمة أصدرت أربعة أحكام بالإدانة وحكما بالبراءة ، تنظر في هذا الوقت ذاته بثماني متهمين من أصل 22 متهماً بعضهم موقوف إحتياطياً والبعض الآخر أفرج عنه . وقد أخذ على نظام تلك المحكمة الملاحظات التالية :
1 – أنها تستند في إنشائها إلى إلى قرار صادر من مجلس الأمن تُعتبر أحد الأجهزة التابعة لمجلس الأمن . وهنا تشابه مع " T.S.L. " كان بعدم ترك الصلاحية للقضاء المحلّي يمكن أن يعمل بتأثير من النظام الإشتراكي السابق ليوغوسلافيا .
– الإدعاء الذي يجريه المدعي العام ثم يُحيل التحقيق إلى أحد قضاة المحكمة يجعل منه خصماً حكمـاً . بين يديه صِفة الإدّعاء العام وصِفـة المحقّق . وهذا غير موجود في " T.S.L. " .
– إن الحكم الغيابي يعتبر لاغياً ، لا يمكن إفتتاح أي دعوى أمام المحكمة الدولية دون حضور المتهم شخصياً . أي أن إمتناعه عن الحضور قد يؤدي إلى شلّ المحكمة وإجراءات المحاكمة ضد هذا المتهم الغائب (في T.S.L. ) يحاكم المتهم غيابياً أو بدون حضوره من خلال إستجوابه في بلاده كي لا يُعطّل غيابه المحاكمات . وفقاً للمادة /22/ من نظام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ، لم ينص إلا عقوبة الحبس ، واستبعد عقوبة الإعدام .
– يمكن أن تحكم بالتعويضات بينما في T.S.L لم يتضمن الحكم بالتعويضات مباشرة . بل تُحيل المحكمة على المحاكم اللبنانية م /25/ من نظام المحكمة .
المحكمة الجنائية الدولية لرواندا " ICTR " في مدينة آروشا – تنزانيا .
وقد بدا واضحاً أن قبيلتي التوتستي والهوتو كانتا الضحية الأولى ، تم تجميع الآلاف منهم داخل الكنائس والمدارس والمستشفيات والمباني الحكومية بحجة حمايتهم ، ثم تمّ ذبحهم والقضاء عليهم بالجملة من قِبل القوات الحكومية . هناك تمييز بين النساء والأطفال والشيوخ ضحيتها ما يزيد عن مليون شخص ذهب ضحية هذه المجازر .
ومن أبرز الضحايا الناتجة عن النزاع المسلح بين الميليشيات المسلحة وقوات الحرس الجمهوري الرواندي عدة وزراء من بينهم الوزير الأول ، ورئيس المحكمة العليا وكل قادة الحزب الإجتماعي الديمقراطي وكذلك عدد كبير من أفراد قوات حفظ السلام .
دفعت الأحداث المذكورة مجلس الأمن أن يصدر قراراً في 8/11/1994 بالموافقة على إنشاء محكمة دولية جنائية لرواندا إستناداً إلى الفصل السابع بناءً على طلب الحكومة في رواندا
( تشابه " T.S.L. ") .
يشكّل إنشاء هذه المحكمة المبادرة القانونية الدولية الثانية لاعتماد أعيد تطبيق مبدأ المسؤولية الجنائية المزدوجة (مسؤولي الدولة والفرد) في المنظومة الجزائية الدولية المعاصرة إثر إبادة منظمة إستهدفت المدنيين من قبائل التوتسي والهوتو التي كانت ضحية هذه الإبادة .
لا يمكنها أن تحكم بالتعويضات بخلاف محكمة يوغوسلافيا (راجع حرب ص 13) .
فيما المحكمة الخاصة بلبنان تركت للمحاكم الوطنية أن تحكم بالتعويض للمجني عليه بعد إحالة طلبه من المحكمة وذلك سنداً للمادة /25/ من نظام المحكمة .
وخلافاً للمحكمة الدولية ليوغوسلافيا التي أنشأها مجلس الأمن ، أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا بناء على طلب رسمي من الحكومة الرواندية . وفي هذا الأمر تشابه مع ما حصل في المحكمة الخاصة بلبنان .
دائرة الطعون (الإستئناف) أصبحت مشتركة بين المحكمتين ومركزها لاهاي وكذلك المدعي العام الواحد الذي يتولى رئاسة مكتبي الإدعاء في المحكمتين .
أروشا (تنزانيا) واعتُمد لها مكتب تمثيلي في كيغالي (رواندا) .
النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية لرواندا وتطبيقه .
محكمة دولية جنائية لمحاكمة المسؤولين عن مثل هذه الأفعال ما يؤدي إلى توقفها ومعالجة آثارها.(مثل" T.S.L.").
دائرة الإستئناف واحدة بالنسبة للمحكمتين وهي دائرة الإستئناف في محكمة يوغوسلافيا أن المدعي العام لدى محكمة يوغوسلافيا السابقة هو نفسه المدعي العام الذي يمارس وظيفة الإدعاء العام أمام محكمة رواندا .
أما الإختصاص الشخصي يقتصر على الأشخـاص الطبيعيين دون الهيئات والمنظمات . أما الإختصاص المكاني يغطي الإقليم الرواندي الأرضي والجوي .
الإختصاص المشترك بين المحكمة الدولية لرواندا والمحاكم الرواندية الوطنية بذات التفصيل لمحكمة يوغوسلافيا السابقة .
مقر المحكمة بمدينة أروشا بجمهورية تنزانيا و" Laïty Kama " رئيساً .
صدر حكم أول في 2/9/1998 ضد " Jean Paul Akayesu " وحكم عليه بالسجن المؤبد .
والحكم الثاني ضد " Jean Kambanda " الوزير الأول في رواندا بالسجن المؤبد .
تداعيات المحكمتين الجنائيتين الدوليتين ليوغوسلافيا السابقة ولرواندا على الجزاء الدولي قانوناً وتطبيقاً .
المحكمتان أُقرّتا بإرادة دولية مصدرها مجلس الأمن .
إنطلاقة المنظومة الجزائية الدولية المتكاملة أهم الإيجابيات .
مقاضاتهما لرؤساء الدول .
وعملياً استطاعت أن تُحاكم رئيس دولة الإتحاد اليوغوسلافي (سلوبودان ميلوسيفيتش) حضورياً ورئيس البرلمان لصرب البوسنة (مومتشيلو كرايشنيك) حضورياً أيضاً وكذلك قائد الجيش الصربي الجنرال الصربي " Ratoc Maldic " ورئيس الوزراء الرواندي .
مجلس الأمن لم ينتظر موافقة كل السلطات الدستورية في هذين البلدين لإنشاء هذه المحاكم كون البعض من هذه السلطات كان لها صلة بالجرائم المرتكبة في هذه البلاد وقد ثبُت ذلك من خلال ثبوت ضلوع رئيس الإتحاد اليوغوسلافي (سلوبودان ميلوسيفيتش) والجنرال الصربي " Ratoc Maldic " ، وكذلك رئيس الوزراء الرواندي .
ومن وسائل تحقيق العدالة الدولية الجنائية :
1 – المحكمة الجنائية الدولية .
2 – لجان كشف الحقائق أكثر من 50 لجنة منها على سبيل المثال :
Salvador Chili – Paraguay Pérou – Sierra Leone – Liberia – Congo – Maroc – Timor oriental – Allemagne – Ghana – Corée du Sud – Sri lanka
3 – ومن المحاكم الحصرية المنشأة من قِبل لأمم المتحدة Adhoc :
محكمة Nuremberg – طوكيو – يوغوسلافيا رواندا .
4 – المحاكم الداخلية الحصرية Adhoc : في العراق ورواندا .
5 – المحاكم الجنائية الدولية ذات الطبيعة المختلطة والحصرية .
أ – الغرفة الخاصة بالبوسنة والهرسك .
ب – المحكمة الخاصة الجنائية الدولية المختلطة في تيمور الشرقية .
ج – المحكمة الجنائية الدولية المشتركة في Sierra Leone مقرها " Freetown " لمعرفة
المسؤولين عن قتل 200 ألف شخص .
د – المحكمة الجنائية الخاصة المختلطة في كمبوديا عام 2003 .
6 – توسيع صلاحية القضاء الوطني ليصبح عالمي :
هناك دول غربية تأخذ بمبدأ القضاء العالمي الذي يمنحها صلاحية ملاحقة أصحاب الجرائم الدولية المرتكبة خارج حدودها ومنها على سبيل المثال : بلجيكا وإسبانيا وبريطانيا وسويسرا والولايات المتحدة . ففي إسبانيا فتح القضاء الإسباني تحقيقاً في دعوى مرفوعة ضد وزير الحرب الإسرائيلي (بن إليعازر) وستة مسؤولين عسكريين إسرائيلين سابقين من بينهم قائد سلاح الجو ، ورئيس الأركان العامة ، وذلك بتهمة إرتكاب جرائم حرب خلال القصف .
وحذّر القاضي أن هذا العمل نابع من " استراتيجية " تكشف عن وجود تمييز عنصري أكثر فداحة يصل إلى مرتبة جريمة الإبادة .
" Pinochet "
أن القضاء الإسباني المشهور كونه من أبرز المدافعين عن مبدأ القضاء العالمي أو الصلاحية العالمية . وكان له الفضل في العام 1998 في إصدار مذكرة توقيف دولية ضد الديكتاتور التشيلي السابق ، بينوشيه ، بتهمة إرتكاب جرائم إبادة وممارسة إرهاب وتعذيب وقد ذهب ضحية الإغتيال السياسي أكثر من 2000 شخص وقتل أكثر من 3000 شخص في المواجهات بين المعارضة والنظام الأمني للرئيس " Pinochet " يذكر أنه كان للسيدات الفضل الأكبر في القيام بالمعارضة . وقد تمّ توقيف " Pinochet " مؤقتاً في لندن ووضعه لمدة 500 يوم تحت الإقامة الجبرية قبل ترحيله إلى بلده بسبب مرضه وسنه .
7 – لجان التحقيق الدولية :
تنشأ بقرار من مجلس الأمن كتلك التي نشأت للتحقيق في مجازر غزة وفي جورجيا .
– المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تنفرد ببعض الخصائص وأهمها أنها محكمة شبه دولية " Semi-international "
1 – إنشاءها تمّ لمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن التفجير الذي وقع في 14/2/2005 وأسفر عن مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وآخرين . وهذا الإنشاء صدر عن مجلس الأمن بموجب القرار 1757 في 30/5/2007 وبموجب الفصل السابع وجاء القرار في ثلاثة أجزاء : مضمون قرار الإنشاء ، والإنشاء ، والإتفاقية المُبرمة بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة (وإن من إيجابيات هذه المحكمة أنها ستكشف عن العديد من الحقائق إذ قتل في هذا البلد ما يفوق 145 ألف وجرح ما يقارب 180 ألف جريح وهناك 17 ألف مفقود في فترة الحرب الأهلية بين 1975 و 1990 كما ترافق مع إغتيال الرئيس الحريري في 14/2/2005 إغتيال العديد من المواطنين وقادة الرأي ونواب ووزارء في ظل وجود القوات السورية في لبنان وحتى بعد خروجها وفي ظل وجود أحزاب مسلحة منها حزب الله وحركة أمل والقوميين السوريين والمنظمات الفلسطينية على سبيل المثال لا الحصر لا سيما تلك التي تأتمر بسوريا .
2 – الإختصاص يشمل الجرائم التي ارتكبت بعد 12/12/2005 شرط التلازم لجهة القصد الجنائي والغاية وصِفة الضحايا ونمط الهجمات والجناة . ومن التفاهة بمكان القول بخلاف ذلك أن شرط التلازم غير متوافر .
3 – تطبيق قانون العقوبات اللبناني وفي حال خلوّ النص يمكن للمحكمة أن تُطبِّق ما درج تطبيقه في محاكم مماثلة أو ما درج على تطبيقه العرف في مجال القانون الجنائي الدولي من مبادىء وأحكام بالإضافة إلى ما ورد من مسؤوليات جنائية محددة في المادة /3/ من ضميمة القرار 1757 وتشمل مسؤوليات الرئيس في النظام ورئيس الحزب والمرؤوس شرط توافر مسؤولية تُثبت معرفته وقبوله بالنتائج أو عدم إتخاذ أي تدبير للحؤول دون منع وقوع الجرم . أما المرؤوس في هذه الحالة فينظر فقط في إمكانية تخفيف العقوبة عنه ومعنى ذلك أن T.S.L. تخطت مبدأ الحصانة للرئيس .
4 – ولا يجوز منح العفو العام لأي مسؤول عن ارتكاب الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة م /6/ ضميمة وهذا ما تعهدت به الحكومة بناءً على قرار مجلس الأمن بعدم إصدار العفو العام بحقّ شخص مُرتكب جرم يدخل في اختصاص المحكمة م /16/ نظام أساسي كما لا يجوز منح العفو الخاص في أية دولة يكون المحكوم عليه مسجوناً فيه ما لم يقرّر ذلك رئيس المحكمة الخاصة بالتشاور مع قضاتها على أساس مقتضيات العدالة ومبادىء القانون العامة .
5 – وجود قاضي الإجراءات التمهيدية إلى جانب وجود مدعي عام الذي يراقب ما إذا كان الإدعاء منطبق على القانون وكل قرار يُتخذ في هذا الصدد يراقبه قاضي الإجراءات التمهيدية الذي له أن يرد القرار الإتهامي م /18/ ضميمة .
6 – يمنح النظام أفضل حقوق للمتهمين في الدفاع لم تمنح قط في أي محكمة دولية مؤقتة ليس أقلها إستجواب المتهم خارج إطار المحكمة لكن عدم حضوره أو عدم تسليمه أو إذا توارى عن الأنظار ليس من شأنه أن يعطل سير المحاكمات الأمر الذي يتيح إجراء المحاكمات غيابية والمواد /16/ وما يليها من الضميمة .
7- يضع القضاة كما حصل في كل محاكم Nuremberg وطوكيو ويوغوسلافيا ورواندا قواعد الإجراءات والإثبات م /28/ ضميمة وفقاً لقانون أ.م.ج. اللبناني وأعلى معايير الإجراءات الجنائية الدولية .
8- ليس بالضرورة للمحاكمة أن تنطلق مع وجود معتقلين لأن الهدف ليس الإعتقال بقدر ما هو تحقيق العدالة ومعرفة الحقيقة وللمتهم أن يتمكن من الدفاع عن نفسه بأفضل الشروط دون أن يكون معتقلاً م /16/ ضميمة .
ومن أهم الأسباب التي دعت إلى معارضة فكرة قيام قضاء دولي جنائي :
مبدأ القضاء الدولي الجنائي :
1 – أن القضاء مظهر من مظاهر سيادة الدولة ، ووجود محكمة جنائية دولية يعني انتقاص من هذه السيادة .
2 – أن وجود محكمة يفترض وجود سلطة دولية عليا وهذه السلطة موجودة (أي مجلس الأمن) . فلماذا المحكمة .
3 – إنشاء هذه المحكمة يخالف مبدأ العالمية مثل القرصنة ، متعارضاً مع معاهدات التسليم القائمة .
4 – وجود هذه المحكمة مرتبط بقيام الحروب ، ولذلك يكون إنشاء محكمة دائمة لا مبرر له إذا لم تقع حروب .
5 – هناك من يقول أن المحكمة تنشأ لجرم حصل قبل نشأتها (في القضاء الجنائي المؤقت) أي تطبيق القواعد الجرمية بأثر رجعي .
6 – أن القضاء يقومون بدور وضع نصوص المحكمة أحياناً من قِبل القضاة الذين سيحكمون وهذا تعارض مع فصل السلطات لكن ذلك حصل في محكمتي يوغوسلافيا ورواندا بالإضافة إلى محاكم طوكيو نورومبرج و T.S.L..
7 – كما قيل بأن العدالة ليست إلا ذراعاً للسياسة " Bras Judiciare du politique "
الرأي المؤيد لإنشاء القضاء الدولي الجنائي :
1 – السيادة بمعناها المطلق لم يعد لها وجود اليوم أو ليس انضمام الدول في الأسرة الدولية قبولاً مسبقاً بالتنازل عن السيادة الوطنية لصالح السيادة العالمية . لا سيما مع قبول تلك الدول في دساتيرها بتفضيل القانون الدولي على القانون الوطني .
2 – أن وجود هذه المحكمة يساهم بدرجة كبيرة في تقنين قواعد القانون الدولي الجنائي .
أما عن عدم وجود سلطة عليا دولية ، فإن هذه السلطة بمعناها الداخلي غير قائمة فعلاً ، مجلس الأمن .
أما الخشية من أن يؤدي إنشاء المحكمة الدولية إلى التدخل في الشؤون الداخلية للدول وإلى جعل هذه المحكمة مسرحاً للصراع السياسي فهي خشية في غير محلها لأن المحكمة الدولية الجنائية قضائية وليست سياسية ولعلّ التجربة الأولى للقضاء الدولي الجنائي تشهد بذلك (محكمة نورمبرج وطوكيو) وهو ما نلمسه (محكمة يوغوسلافيا السابقة ومحكمة رواندا) .
3 – أن اختصاص المحكمة الدولية لا يتعارض مع الإختصاص للمحاكم الوطنية بل يمكن أن يكون متمماًُ له .
4 – الإكتفاء بمحكمة خاصة ومؤقتة لوجود شبهة عدم الحيادة والنزاهة وجودها سابق على وقوع الجريمة التي تنظرها .
5 – أن الإنسان أصبح الآن من أشخاص القانون الدولي العام الذي يتمتع بالحقوق التي يمنحها هذا القانون ، عليه أن يتحمل الإلتزامات التي يفرضها هذا القانون أيضاً . أما بالنسبة للقاضي المشرّع فهي حصلت مع " Robert Jackson et Donnedieu de Vabres" وأن القاضي يبدي رأياً إستشارياً ثم يصوت مجلس الأمن وبالنسبة للإجراءات وتعديلها طبعاً لأن مجلس الأمن يُقرّ النظام الأساسي والمبادىء الأساسية ويترك للقضاة أن يقرّروا الإجراءات الواجب إعتمادها .
ليس صحيحاً أن القواعد الجرمية تطبق بأثر رجعي لأن العرف في القانون الجنائي الدولي يقضي بالمعاقبة لمرتكبي الجرائم الدولية .
6 – أن وجود محكمة جنائية دولية دائمة يهدف إلى تحقيق تفسير موحد للجرائم الدولية .
7 – لكن إحقاق العدل وإن كان لدوافع سياسية أفضل من أن تبقى جرائم من دون عقاب أصلاً
من أن تقع كل الجرائم الدولية تحت طائلة العقاب .
8 – ويتغلب على كل ذلك حق الضحايا وأهلهم بعرفة الحقيقة :
Droit de savoir – Droit à la Justice – droit à la réparation
وقد قال " A. Cassese " في هذا الصدد عن المحكمة الخاصة بلبنان : إن قوانين العفو لم تمنح السلام لهذا البلد ولم تحلّ المشاكل العالقة بل لا يزال الحقد موجود والتوتر قائم لذلك لا بد من أن تشكل العدالة مدخلاً لنسيان الماضي بعد معرفة الحقائق التي حصلت .
وكان كل من روسيا الإتحادية والصين الشعبية يمتنعان عن التصويت دون استخدامهمنا لحق النقض .
وقد أشرنا في سياق هذه المحاضرة إلى المبادىء المشتركة وتلك المختلفة مع أهم المحاكم المؤقتة الدولية ومن أهم الميزات التي تتمتع بها المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بلبنان :
– الإختصاص المشترك للمحكمة الخاصة مع المحاكم الوطنية مع أسبقية للأولى على الثانية .
نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الديباجة .
طريقة إنشاء المحكمة الدولية الجنائية :
إنقسمت الآراء حول طريقة قيامها إلى أربعة آراء :
الأول أنصاره تعديل المادة /92/ من ميثـاق الأمم المتحدة الخاصة بمحكمة العدل الدولية . والثاني أن تنشأ المحكمة الدولية الجنائية بقرار من الجمعية العامة . أما الثالث إقامة المحكمة المقترحة عن طريق إتفاقية دولية متعددة الأطراف ، والرابع يطالب بإنشاء هذه المحكمة بطريقة مختلطة ، تصدر الجمعية العامة قراراً توصي به بقيام المحكمة ويجب أن تعقد الدول إتفاقاً دولياً يمنحها الإختصاص بنظر الجرائم الدولية .
وانتهت اللجنة إلى أن أفضل طريقة هي طريقة الإتفاقية التي يبرمها مؤتمر دبلوماسي دولي يعقد تحت رعاية الأمم المتحدة (الرأي الثالث) .
وبالنسبة لعلاقة المحكمة الجنائية الدولية بمنظمة الأمم المتحدة فإنه يجب توافر الإستقلال التام للمحكمة عن الأمم المتحدة ، ورأي الغالبية إلى ضرورة قيام وثيق بين المحكمة والمنظمة .
ب – المعاهدات ومبادىء القانون الدولي وقواعده .
ج – المبادىء العامة للقانون .
– يجوز للمحكمة أن تطبق مبادىء وقواعد القانون كما هي مفسرة في قراراتها السابقة .
علاقة الرئيس والمرؤوس يُسأل جنائياً عن الجرائم المرتكبة من جانب مرؤوسين خاضعين لسيطرته الفعلية .
أ – إذا كان الرئيس قد علم أو تجاهل عن وعي أية معلومات تبين بوضوح أن مرؤوسيه يرتكبون أو على وشك أن يرتكبوا هذه الجرائم .
ب – إذا تعلقت الجرائم بأنشطة تندرج في إطار المسؤولية والسيطرة للرئيس .
ج – إذا لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة .
التعاون فيما يتعلق بالتنازل عن الحصانة والموافقة على التعاون .
فيما يتعلق بحصانات الدولة أو الحصانة الدبلوماسية لشخص أو ممتلكات تابعة لدولة ثالثة ، ما لم تستطع المحكمة أن تحصل أولاً على تعاون تلك الدولة الثالثـة من أجل التنازل عن الحصانة . (لعدم مصادقة كل الدول على نظام المحكمة أو حتى الإنضمام إليها) .
– سلطة مجلس الأمن في تعليق التحقيق أو المقاضاة .
مجلس الأمن سلطة خطيرة يعطل بمقتضاها نشاط المحكمة الدولية الجنائية .
إجراءات المحاكمة .
القانون الواجب التطبيق امام المحكمة هو أولاً نظام روما الأساس ، ثم المعاهدات الواجبة التطبيق ، ومبادىء القانون ، ثم المبادىء العامة للقانون التي تستخلصها المحكمة من القوانين الوطنية للنظم القانونية في العالم .
إجراءات إعادة النظر .
يجوز للشخص طلباً إلى دائرة الإستئناف لإعادة النظر في الحكم النهائي إذا اكتشفت أدلة جديدة لم تكن متاحة وقت المحاكمة .
لأن هذه المحكمة ثابتة لها نظام ثابت .
أما المحاكم التي تنشأ لغرض خاص فمن الصعوبة إجراء لها نظام ثابت بل متحرك يتيح للقضاة فيه أن يعدلوا ويقروا بعض إجراءاته انطلاقاً من احترام القانون الجنائي الدولي وأعلى معايير حقوق الإنسان . (تشابه مع " T.S.L. ")
وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً في 4/12/1989 تطلب فيه من لجنة القانون الدولي أن تدرس موضوع إنشاء محكمة دولية جنائية .
وفي الدورة الأخيرة انتهت اللجنة من دراستها ووضعت مشروعاً يتضمن النظام الأساسي لمحكمة دولية جنائية قدمته إلى الجمعية العامة .
وبعد طول إنتظار أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة والخمسين في 8/12/1998 نظام روما الأساسي وإنشاء لجنة تحضيرية بالقرار رقم 105/53 (1) .
(1) لصالح النظام 120 صوتاً ، ضد النظام 7 أصوات ، إمتناع 21 صوتاً ، 12 صوتاً لم تأخذ موقفاً ، ومن الدول التي امتنعت تركيا وسنغابور وسيريلانكا .
يحتاج هذا النظام لكي يصبح نافذاً تصديق 60 دولة على الأقل .
دخل النظام الأساسي حيذ التنفيذ في 1/7/2002 وجعل لاهاي مقراً للمحكمة . وبات هناك ثنائية في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية الدائمة .
وقد أحال مجلس الأمن بموجب القرار 1593 إلى المحكمة الجنائية الدولية في 31/3/2005 (بالإمتناع عن التصويت من قِبل الولايات المتحدة والصين والبرازيل والجزائر) طلباً للتحقيق في الإنتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان المرتكبة في منطقة دارفور في السودان بعد حروب دامت سبع سنوات نجم عنها مقتل 300 ألف وهجرة مليونين ونصف المليون شخص منه ، وفي تموز 2008 أصدر مدعي عام المحكمة قراراً بملاحقة الرئيس عمر البشير متهماً إياه بارتكاب جرم الإبادة الجماعية لشعبه وقد أصدرت الغرفة الإبتدائية في هذه المحكمة مذكرة توقيف بحقه في 4/3/2009 متهمة إياه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مهملة إتهامه بارتكاب جرم الإبادة الجماعية وقد طلبت غرفة الإستئناف في المحكمة من الغرفة الإبتدائية إعادة النظر بتهمة الإبادة واعتبر ذلك انتصاراً وتقدماً لفكرة شمول أفعال البشير على الإبادة . وقد أيدت هذا القرار كل منظمات حقوق الإنسان لأن في هذا القرار حماية للشعب في دارفور .
وفي رأينا ومهما قيل في نتيجة هذا القرار حيث لا يزال البشير يَحكم ، إلا أن جزءاً من العدالة قد تحقق نظراً إلى التصويت على الإستقلال لجنوب السودان وبإشراف الأمم المتحدة فإن الإستقلال سيجعل قسم كبير من السودانيين بعيد عن الحكم الإستبدادي .
وقد ردّت الدول العربية بأن هذا إنتهاك لسيادة السودان وأن ذلك سيقف حائلاً أمام إيجاد حلّ سِلمي فيه . لكن في الواقع وبعد إتهام أيضاً وزير خارجيته أحمد هارون ورئيس الميليشيا المسلحة هناك " Janjaouid " فقد كان لذلك التأثير الإيجابي سياسياً في السودان على الرغم من الإنتقادات التي وردت بحقّ هذا القرار ليس أقلها من " Antonio Cassese " الذي قال إذ لا بدّ للقرار القضائي أن يكون مدعوماً دولياً وسياسياً من القوى النافذة التي تتمكن من تنفيذ القرار القضائي .
حتى الآن وَضعت المحكمة الجنائية الدولية يدها بموجب تحقيق أولي على الجرائم الحاصلة بين إسرائيل وفلسطين وفي أفغانستان وكولومبيا وكينيا وأوغندا والسودان والكونغو وأفريقيا الوسطى .
الخـاتمــة
كي لا تُصبح المُطالبة بالعدالة جريمة والجريمة عَدالة
إذا كانت العدالة في يومِنا هذا عدالة إنتقائية أو بطيئة فأفضل أن نكون في المرحلة التي لا تزال فيها مفاهيم العدالة آخذة في الترسّخ من أن نكون في المرحلة التي لم تكن فيها هذه العدالة موجودة أصلاً ، إلا أننا نأمل في أن يتطوّر مفهوم العدالة الجِنائية ليُصبح مطبَّقاً بصورة مُتساوية فيشمُل كل من يَرتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم إرهابية .
وقد تصرّف مجلس الأمن في إنشاء محكمة يوغوسلافيا على سبيل المثال كما يتصرَّف المدعي العام إزاء الجريمة المشهودة فيما تصرَّف مجلس الأمن بالنسبة للمحكمة الخاصة بلبنان كمن تلقَّى إخباراً من الحكومة اللبنانية دون الوقوف على تصرفات البعض التي حالت دون موافقة السلطة التشريعية في لبنان بعد انتظارها ما يقارب السنتين علّها تغيّر من نمطِها المتمثل في منع قيام المحكمة في محاولة لقتلِها في مَهدها .
وعلى ضوء كل التجارب التي أشرنا إليها يُمكن إستخلاص النتائج والعِبر التالية :
لا سلام في المجتمات التي يُرتكب فيها جرائم إرهابية وجرائم ضِد الإنسانية إلا بالعدالة
" Pas de paix sans justice " وفقاً لما قاله "Pierre Hazan " .
ونحن اليوم نعيش أزمة تثبيت السلام في لبنان من خِلال إحقاق العدالة .
كما يمكننا إستخلاص العِبر ممّا حصل في جنوب إفريقيا حيث تمَّت مقايضة الحقيقة بالعفو " Amnistie contre Vérité " وأعتقد أننا في لبنان والعالم العربي نحتاج إلى الحقيقة من خِلال العدالة قبل التفكير في العقوبة لأن مجرّد معرفة القاتل الحقيقي فإن ذلك سيشكّل إدانة معنوية قاسيـة له من المجتمع اللبناني والعربي والإسلامي ولا بل من العالم أجمع .
أما إذا أردنا العدالة والحقيقة مع العقوبة فإن ذلك سيكون دفعاً إلى الأمام لمنطق العدالة الجِنائية الدولية وقد كانت التجربة في يوغوسلافيا خيرَ دليل على ذلك حيث توقَّف مسلسل القتل وتوقَّف صوت المدفع، وكذلك الأمر في رواندا بعد محاكمة كِبار المُجرمين في هاتين الدولتين .
مهما قيل عن مفهوم العدالة الجِنائية الدولية فإنها تكون أفضل من أن لا تكون والذي يعارض العدالة الدولية عليه أن يكون معارضاً لها طوال تاريخه لا عندما يجد نفسه عالقاً في شِباكها .
وبالنسبة لشهود الزور عل ما أثير حتى اليوم في المحكمة الخاصة بلبنان فكُلنا عُقلاء ونَقرأ وسنقِف إلى جانب الحقّ والعدل الناجم عن الأحكام المبنيَّة على قوّة الدليل الذي يرتقي إلى مرتبة اليَقين لا إلى مرتبة الشكّ أو لا سمح الله إلى الدليل المبني على شهود الزور .
هذا وقد بات فن التضليل في المعلومات العائق الأساسي للعمل الديمقراطي السليم ولإحقاق العدل ، وإن مُحاولة التلاعب والتضليل بمعلومات التحقيق الذي تتولاه المحكمة الخاصة بلبنان ظاهرة وجليّة Manipulation des informations .
وقبل الحكم على نتائج العدالة الجنائية الدولية فإننا نسأل :
هل ألمانيا أفضل بعد محكمة Nuremberg ؟
هل اليابان أفضل بعد محكمة Tokyo ؟
هل يوغوسلافيا أفضل بعد محكمة يوغوسلافيا ؟
هل رواندا أفضل بعد محكمة أروشا في تنزانيا ؟
هل سيراليون أفضل بعد محكمة Freetown ؟
هل تيمور الشرقية أفضل بعد محكمة تيمور الشرقية؟
هل كمبوديا أفضل بعد محكمة كمبوديا؟ وقد هدّدو هناك بالحرب الأهلية لكنها لم تقع وتمّ إحقاق العدل.
هل تشيلي أفضل بعد Pinochet ؟
هل سيريلانكا أفضل بعد لِجان التحقيق الدولية جراء مرور 26 سنة من المجازر؟ والجواب على كل هذه الأسئلة نعم أفضل.
وأخيراً هل سيكون لبنان أفضل بعدَ المحكمة الخاصة بلبنـان ؟ وإن كان الجواب مبكراً ، لكن بالتأكيد سيكون أفضل وهذا ما دلّت عليه التجربة في الماضي البعيد والأمس القريب.
فالأفضل لنا أن يكون سلاحنا العدالة والقانون لئلاّ يجعل البعض من السِلاح عدالة وقانون.