لا مبالغة في القول إن فرصة تاريخية بدأت تلوح أمام رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف، لم يقطفاها إلى الآن، وربما لم يفكرا في استثمارها.
سليمان وميقاتي باتا بحاجة إلى مَن ينقذهما من حصار محكم تنفذه قوى 8 آذار التي تكاد تحشر الرجلين في المربّع الأخير، قبل تنفيذ عملية انقضاض تنهي ما لهما من دور، وما لموقيعهما من قوة دستورية، وتحوّل اتفاق الطائف الى قميص منشور على أعمدة الماضي.
وإذا كان سلاح الصبر والانتظار وتمديد المهل هو الأسلوب الوحيد الذي يستعمله الثنائي المحاصر، فإن هذا الثنائي يبدو متجها الى تفويت الفرصة الثمينة، لتصحيح، ولو جزئي، لمفاعيل "الانقلاب" ومنعه، على الأقل، من أن يهضم ما ابتلعه عندما أسقط الحكومة بالقوة، وتطوير الموقف الى ترتيب مواجهة مع الانقلاب يدرك كل من سليمان وميقاتي انهما قادران بالسلاح الدستوري على القيام بها، وليس بالصبر والانتظار فقط، "والدعاء على أيدي الانقلابيين بالكسر".
وإذا كان لم يعد خافيا أنّ مَن أسقط حكومة الحريري بالقوّة قد وضع اجندة متكاملة لترويض موقع رئاسة الجمهورية وإباحته للعماد عون، فإن الوقائع باتت اكثر من ناطقة، وهي تعبّر عن هذا التوجه.
إذ إن التعاطي مع سليمان لا يتم وكأنه المرجع الحكَم، بل يفاوضونه نيابة عن الحليف المدلل الذي يريد الوزارة المفتاح – وزارة الداخلية – لكي يسحب من الرئيس الوزارة الأهم التي تتيح له ضبط محاولات تغيير الوقائع والحقائق؛
وفي إحدى جولات التفاوض هذه، صارح ممثلو قوى 8 آذار رئيس الجمهورية بأنهم لا يؤيدون بقاء وزارتي العدل والداخلية مع طرف وسطي، بما يفهم منه أنه تأييد لمطلب عون ولامبالاة لتمسك سليمان بما تبقى له داخل الحكومة، ولا بما يفترض ان يؤديه من دور، على الاقل كثمن مقبول لتراجعه عن الوعد بعدم توقيع مرسوم حكومة لا تكون حكومة وفاق وطني.
والفرصة الثمينة للإنقاذ التي لم يتبناها الثنائي الرئاسي بعد على رغم كل ما يتعرض له من محاولات حشر وتطويق، ليست مجرد مشاكسة مع قوى الاكثرية الجديدة، كما ليست انقلابا يواجه انقلابا، بل هي مبادرة تاريخية تعيد وضع القطار على السكة الصحيحة عبر قرار يتخذه سليمان وميقاتي بالتوجه الى الرأي العام بلغة تكشف الحقائق وتفضح مسلسل وضع اليد على السلطة، وتقترح الحل: العودة الى تشكيل حكومة تضم جميع الأفرقاء، ورمي خيار حكومة اللون الواحد في درج مقفل.
واذا كان السؤال حول جسارة رئيسي الجمهورية والحكومة المكلّف في سلوك هذا الخيار سؤالا منطقيا، في ظل الرسائل الحارّة التي وصلت بالبريد السريع الى كل من سليمان وميقاتي، والى رئيس الجمهورية تحديدا، الذي بُعِث له بتحذير واضح عبر تحريك ملف سجن رومية، شبيه بالتحذير الذي تلقاه في تظاهرات الشياح لحرق ترشيحه الرئاسي، فإن الواقع يقول ان مردود الفرصة التاريخية على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وعلى الوضع العام سيكون مردودا ايجابيا، لأن حكومة اللون الواحد التي سيطغى فيها اللون الواحد داخل اللون الواحد، ستكون بداية النهاية الحقيقية لتأثير الرئيس سليمان في المدة المتبقية من العهد، الذي سيجهد العماد عون في تحويله الى عهد تصريف اعمال.
واذا اضيف إلى المشهد الدعم غير المسبوق الذي قدمه البطريرك الراعي للرئاسة الأولى وفترة السماح المشروطة التي اعطتها دار الفتوى للرئاسة الثالثة، فإن كلّا من سليمان وميقاتي لم يعد يحتاج الا إلى قرار، كي يصحح النتائج السلبية على مسار دولة المؤسسات، ولكنهما اذا تخلفا عن ذلك فمن الطبيعي ان تنزع ابوتهما عن الحكومة المقبلة، التي ستصبح عن جدارة حكومة اللون الواحد.
وازاء كل ما تعرّض ويتعرض له الثنائي المحاصَر، هل يقومان اخيرا بقلب الطاولة والاعلان لمَن يهمه الامر أن المعادلة التي سمّت ميقاتي قد تغيرت، وان الضرورة الوطنية باتت تملي العودة الى تشكيل حكومة تضم الجميع؟
الكل يترقب لكن السؤال يبقى: ماذا سينتظران والى متى؟