#adsense

أبونا يعقوب ومعجزة ورقة التفاهم

حجم الخط

أبونا يعقوب ومعجزة ورقة التفاهم

للناظر أن يرى أن حزب الله أشبه بمحمية ليس مسموح الصيد فيها ولكنها مسيّجة لا تتجاوز حدودها، وأتى تصريح الشيخ نعيم قاسم يقول "المقاومة ليست مجموعة مسلحة تريد تحرير قطعة أرض وليست أداء ظرفياً ينتهي دورها عندما تنتهي الذريعة، بل المقاومة رؤية ومنهج وليست رد فعل عسكرياً فقط" معلناً "الاستعداد للمناقشة مع الآخرين كي تكون المقاومة جزءاً من مشروع كل اللبنانيين حول أي لبنان نريد؟ لبنان السيد الحر المستقل القوي أم لبنان تحت الوصاية؟ وهذا الأمر يترك لطاولات الحوار".

السامع يفهم أن الآخرين هم الذين لا يشاركون حزب الله نظرته لذا فهو يدعوهم للحوار، أما الذين هم متفاهمون معه ومتحالفون فالقضية محسومة لهذه النظرة. وبطبيعة الحال يأتي التيار الوطني الحر في الطليعة، لأن وثيقة التفاهم يفترض أن تكون قابلة لهذا الطرح، أي أن المجتمع اللبناني هو المجتمع المقاوم، والمقاومة هي المقاومة المسلحة، وقيادة هذه المقاومة هي لحزب الله.

الجنرال عون لديه بعض المشكلات في هذا الطرح لأسباب عدة، أولها، أن المسيحيين منذ فجر النهضة، ولنقل منذ بدايات القرن العشرين، علموا في مدارسهم مئات الآلاف من المسلمين، لكن المسلمين ظلوا مسلمين، واتضح بعد مئة عام أن المدارس المسيحية لم تغيّر في السلوك الديني والاجتماعي شيئاً وعادت الطوائف الإسلامية تعيد تكوين مجتمعاتها ولم تنفع القداديس الإلزامية ولا إشارات الصليب ولا آلاف المنشورات في عمليات الاستيعاب والاستقطاب لأن تركيبة المجتمع في الانتماء الطائفي أقوى من كل شيء في لبنان والشرق على الأقل.

فهل يستطيع حزب الله، الذي لم ينجح لليوم أن يكون لديه تلميذ مسيحي في مدارسه أو أنديته، أن يدخل المجموعات المسيحية في ذهنية المجتمع المقاوم الذي يتزعمه حزب الله ويسيّر دفته، وهل يتمكن الجنرال عون من تغيير الهوية للجماعات المسيحية التي يمثل، فيحولها من مجتمع خدماتي موصوف به لبنان إلى مجتمع مقاوم مقاتل تنتفي فيه مقومات اقتصاده وعلاقاته وصفاته المعروف بها؟ إن الجنرال إذا كان يراهن على ذلك فهو حلم، وعادة الرجال يحلمون قبل الثلاثين ويتذكرون بعد الستين، والجنرال دخل في التذكر أكثر من الحلم فهل حلمه صار من الذكريات قبل أن يبدأ.

أما إذا كان حزب الله يراهن على الجنرال في عملية التغيير، فهو يراهن على التغيير في زمن الجنرال، وهذا ما يظهر للناظر، حيث أن الأمور تسير باتجاه حشد القوى أمام انتخابات 2009، وحزب الله يطمئن الجنرال أن الغالبية النيابية ستكون للتفاهم بينهما، وأن المجلس رئيساً ومرؤوساً سيكون طوع أمرهما. عندها يسمون الوزارة التي يريدون ويحكمون لبنان. هذا سيناريو يريح الجنرال عون ويجعل الحلم شبه واقع، لكن المشكلة تفرز مشكلة، وماذا بعد، هل تتغير برامج التربية المدرسية، وهل تنتهي المدارس الخاصة المسيحية، وهل يعظ الكهنة بالمقاومة ـ ولمَ لا ـ وقبل كل هذا هل يصبح أبونا يعقوب أحد رموزها ما دام خرج طوباوياً من ساحة الاعتصام والالتزام والاحترام.

المشكلة الثانية في مندرجات ما يجري أن لبنان ليس منفرداً ولا وحيداً على الساحة ومعركة المقاومة الإسلامية (حماس) أعطت زخماً لمجتمع مقاوم، لكن رائحة الموت تنتشر فيه كل يوم، وإسرائيل قد تكون راضية عن إطلاق بعض الصواريخ ضدها من غزة لأن هذا يعطيها الحجة والذريعة كي تقتل المزيد من الفلسطينيين. وهي إذ ترسم خريطة لها أمام العالم تقول إن المتطرفين الإسلاميين هم فقط ضد إسرائيل، لذا فهي تعبئ العالم الإسلامي المعتدل والمسيحي المعتدل والمتطرف ضد القوى التي تحاربها.

المقاومة في لبنان تحتاج فعلاً إلى غطاء مسيحي، وهذا الغطاء لا يمكن أن يكون تفاهماً سياسياً انتخابياً ـ وحتى رئاسياً ـ بل هو تفاهم بالعمق، وقضية طرح مجتمع مقاوم لا يكفي أن يقبل به سياسيون تحركهم مصالحهم السياسية والانتخابية، فهذا لا يفيد بشيء، مجتمع مقاوم يعني تغييراً في البنى الذهنية للأفراد، وإذا اعتبر حزب الله أن المدارس المسيحية لم يكن لديها مشروع للمسلمين لذا فشلت في ايصال تربيتها لمن يهمه فإن مشروع حزب الله ما زال مشروعاً إسلامياً شيعياً بامتياز ولن يتمكن أي سياسي مهما بلغت شعبيته أن يجعل من أبونا يعقوب الكبوشي أن يلبس عمامة ويحمل بارودة.

إن بناء مجتمع لبناني مقاوم تلزمه معطيات كثيرة أولها، تغيير في بنيته الاقتصادية والاجتماعية، وهذا لا يحدث بانقلاب لأن الانقلابات أثبتت عقم فعاليتها، وحكم العسكر لا يصنع شعباً بل قطيعاً أو جماهير لا أكثر.

لذا فهو يحتاج لمئات السنين، وثانيها تغيير في المفاهيم والعقائد والعلاقات فهل يمكن لمنظري حزب الله أن يروا إمكانية خلق لاهوت تحرير جديد في لبنان، وهل يمكنهم من خلال الإسلام أن يجدوا ورقة تفاهم مع لاهوت مسيحي؟.

ربما يمكن هذا، لكن هذا كي يحدث سيحتاج إلى زمن واجتهاد لا ندري أيضاً مرجعيته وكيفية قراراته. وإذا كان لاهوت التحرير أفرز بلداناً في أميركا اللاهوتية، فهل يتعايش الإسلام المقاوم مع المسيحية المقاومة في لبنان؟.. قد يكون هذا نموذج تحدث عنه السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير.

ثالثها، إن المجتمع المقاوم يحتاج إلى مقومات، فهل يمكن للبنان أن يعيش فقط من حساب إيران وأن يكتفي بسائحين من إيران وممولين من إيران، لبنان في تاريخه لم يقبل أن يكون فقط لسوريا رغم أن أواصر القربى والتاريخ والجغرافيا هي ملتحمة وشديدة، وأكثر، فإن النظام السوري نظام علماني يسمح بالتعددية وللمسيحيين حرية كاملة ولم يفرض النظام السوري أي هوية مجتمعية سوى المواطنية.
فهل يمكن للبنانيين أن يلتحقوا بمفهوم الثورة الإيرانية وأن يقبلوا بمجتمع مقاومة يستمد شرعيته من ولاية الفقيه؟!..

لنقل إن هذا الكلام يتداول به بعض المثقفين المسيحيين الذين ما زال الجنرال عون بالنسبة اليهم زعيماً مسيحياً بارزاً، لكنه ليس الزعيم المسيحي الأوحد، وهو زعيم سياسي لكنه ليس منظراً عقائدياً، وهو طموح لكنهم لم يعودوا يرون أن أحلام السبعيني تصلح لهم.

لكن هذا الكلام لا يلغي ولا ينفي ما يمكن أن يحدث، إذ أن الطروحات تحتاج إلى واقعية أكثر وإقناع أكبر والسلاح يخيف لكنه لا يقنع وإن أقنع لمرحلة الصمت فهو لا يلغي إرادة الحرية.

أبونا يعقوب الكبوشي طوباوي تكرّس في ساحة الشهداء عند مشارف الكنيسة الكبوشية أمام جريدة النهار مقابل شاطئ البحر ـ ترنو اليه سيدة لبنان من بعيد وتباركه، يفتح يسوع الملك يديه ليقول له أضمك، مآذن بيروت تضيء بسمته. هذا لبنان، بعرف العالم معجزة، وبعرف البعض رسالة، وبعرف البعض الآخر تفاهم، والآخر حوار، والآخر تعايش. قد يكون كل هذا أو بعضه وهو بصورته هذه قاوم عبر العصور أن يتعثمن، وأن يتفرنس، وأن يتأمرك، وأن يتصهين، وأن يتبعثر، وأن يتفتت، وأن يتشتت، وأن يصبح كله مهاجراً، لقد قاوم عملية اندثاره ورحيله وتغيره. وهذا كله بالعلم والعبر وبالخزان الكبير الذي لديه من حضارات أهله وأجداده، ومن ايمانه بذاته وبأرضه.

لقد فتح دوماً أرضه للناس واستقبل الأصدقاء والغرباء وتحمل الطعن، لكنه أيضاً حصد الوفاء. مقاومة لبنان تاريخه وأرضه وعلمه وثقافته وانفتاحه وتعايشه ولغاته وأبناؤه والمهاجرون الذن يحافظون على جسر التواصل الدائم مع أهله. لبنان هذا كي يتغير يحتاج إلى أكثر من وثيقة تفاهم، يحتاج إلى معجزة فهل تكون هذه أولى معجزات أبونا يعقوب الكبوشي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل