لا تصورات مسبقة للدول حيال الوضع في سوريا
تراجع الاهتمام بلبنان يواكب تعايشه مع الفراغ
كيف تنظر دول مؤثرة الى ما يجري في لبنان وجواره من تطورات؟ تتعاطى هذه الدول وفق ما ينقل متصلون ديبلوماسيون مع ما يجري في المنطقة على قاعدة تطور الامور الميدانية والسياسية ساعة بساعة، اذا صح التعبير، لعدم امكان استباق او استنتاج مآل الامور التي تحصل والتي تعود في غالبيتها الى التأثر عمليا بما انطلق من تونس ووصل الى مصر ثم انتقل الى دول اخرى . اذ ان الاحداث التي وقعت في تونس ولاحقا في مصر شكّلت مفاجأة كبيرة لم يتوقعها احد ولا يمكن ان تعزى الى اي تدخل خارجي في حين ان التطورات في الدول الاخرى اضحت موضع متابعة دقيقة بناء على ما تقدم مع كل الاحتمالات الممكنة . وبحسب هؤلاء فان لا احكام مسبقة ازاء تطور الاوضاع بل استنادا الى الوقائع على الارض مع التشديد على عناوين او ثوابت تتصل باحترام حقوق الانسان وتلبية طلبات الشعوب وعدم القمع والمشاركة الديموقراطية عبر الحوار. وهذا الامر يسري على سوريا كما على الدول العربية الاخرى من دون ان يلغي ذلك الارتباك ازاء الخطوات التي يجب ان تعتمد مع الاصرار على ان موضوع دعم اي رئيس او عدم دعمه لا يتصل بالرغبات الخارجية بمقدار ما يرتبط بتصاعد الحركة الشعبية او عدم تصاعدها وتأثيرها على مسار الامور. لكن التوقعات في امكان رؤية حكومات ديموقراطية تقوم فجأة وعلى النحو المأمول في الدول المعنية اذ انها تتطلب بعض الوقت.
وبحسب هؤلاء فان الاوضاع في سوريا تعبر عن مأزق بمقدار ما نسعى الى الباسها طابعا خارجيا اتصل في شكل اساسي بمضمون ما اورده الرئيس بشار الاسد في خطابه في 30 آذار الماضي متحدثا عن مؤامرة بدا بإزائها لبنان الاسهل من حيث امكان رمي الاتهامات في اتجاهه. اذ ان ذلك يعطي مضمونا للهيكلية التآمرية التي تحدث عنها الرئيس السوري من جهة فضلا عن ان الاتهامات تعبر عن المخاوف السورية تقليديا من اعلام لبنان وصحافته وامكان ان يشكل ملجأ للمعارضين عبر الوسائل الالكترونية التي تحرك الشباب في حين لا يظهر هؤلاء الى العلن، علما ان لبنان كان تاريخيا المشجب الذي تعلق عليه سوريا مخاوفها على امنها من الخارج. وواقع الامور وفق ما يمكن تلمسها يختصر في ان هناك اهتماما كبيرا بما يحدث في سوريا تواكبه حماسة لعدم بقاء الوضع على ما هو عليه وعدم حماسة في المقابل لاي انفجار شبيه بالوضع الليبي.
هل ان تأخر تأليف الحكومة في لبنان هو احد الاسباب المباشرة للتطورات في سوريا؟
لا يسهل على هؤلاء فهم مدى السهولة التي يتعاطى معها اللبنانيون اوساطا سياسية او شعبية مع عدم وجود حكومة في لبنان وتعايشهم مع هذا الموضوع. فلا الاوساط الشعبية تبدو معنية بان شيئا يمكن ان يتغير بحيث يمكن ان يتحرك البعض ميدانيا في هذا الاتجاه من اجل الضغط والاسراع في تأليف الحكومة ولا الاوساط السياسية تبدو معنية بتسيير شؤون اللبنانيين وتقديمها على مصالحهم المباشرة من اجل حسم هذا الموضوع الذي يستمر معلقا بين نظريات عدة. وفي حين يوفر لبنانيون كثر لهؤلاء المراقبين اسباب امكان تعايش اللبنانيين مع عدم وجود حكومة نتيجة التجربة والتعايش سابقا مع حالات مماثلة وصولا الى مرحلة تعايش مع فراغ حصل في الرئاسة الاولى ايضا، فان ابرز النظريات تربط ولادة الحكومة باستمرار رهان المعنيين بولادتها على اشارة ما تأتي من الخارج من اجل ان تقلع او تستنقع. ولاصحاب هذه النظرية مبرراتهم الداعمة وخصوصا في حال الاستناد الى مواقف لسياسيين معروفين بقربهم من العاصمة السورية تحدثوا عن عدم اعطاء دمشق حلفاءها الضوء الاخضر بعد. ومنهم من يقول ان العقد الداخلية من ضمن الفريق الواحد تمنع الاتفاق على الحقائب والاحجام او من يقول ايضا بعقد او ضغوط اميركية على رئيس الوزراء المكلف تساهم في منع التأليف من خلال مجموعة ضوابط تمنع تجاوبه مع طلبات فريق 8 آذار. لكن ما بين هذه النظريات ثمة امر لا يفهمه هؤلاء يتصل بواقع التنازع بين رئيس الوزراء المكلف وافرقاء 8 اذار. فالرئيس المكلف يود ان تكون الحكومة مقبولة ومطمئنة سياسيا واقتصاديا ولا يود ان تكون الحكومة التي يرئس على خلاف مع المجتمع الدولي بل في افضل العلاقات معه بعدما ابلغ صراحة ومنذ تكليفه العناوين التي تجعل الحكومة مقبولة ويمكن التعاون معها وتلك التي تحول دون ذلك اقله اميركيا واوروبيا مما يحتم عليه تاليا ان يأتي بوزراء يحظون بقبول داخلي وخارجي ويؤشر وجودهم لعدم سيطرة فريق 8 آذار على القرار الحكومي من اجل ان تتمكن الحكومة من الاقلاع. وقوى 8 اذار تريد للحكومة ان تقلع لكن بشروطها ووزرائها في حين انها تعلم جيدا، على الاقل بالنسبة الى "حزب الله"، ان حكومة بهذه الشروط لا تقلع ولن تكون قابلة للعيش وتعاون الخارج معها للوزراء الذين يشغلون الوزارات وليس فقط بناء على البيان الوزاري وحده . وتاليا فان وزيرا محددا في وزارة الداخلية او في وزارة الدفاع يمكن ان يعطل فاعلية الحكومة ويضرب صدقيتها.
وواقع الامور ان موضوع الحكومة لا يفهمه احد فعلا والحكومة ليست الحدث ولا تثير اهتماما ازاء ما يجري في سوريا.