تواجهت نظرتان إلى الإجتماع السياسيّ المسيحيّ في السنوات الست الأخيرة.
النظرة الأولى تعاملت مع الإنقسام المسيحيّ في مقابل الأحاديّات الإسلامية كشكل من أشكال تخلّع الوحدة الوطنيّة اللبنانيّة، خصوصاً أنّه إنقسام يطيح ببنية المناصفة الإسلامية المسيحية، ويكرّس محوريّة الثنائية المذهبية السنّية الشيعيّة، بكل ما يعنيه ذلك، ليس فقط من توجّه ضمنيّ أو علنيّ إلى المثالثة، إنّما وقبل كلّ شيء إلى نسف الميثاق الوطنيّ اللبنانيّ دون إجتراح أي بديل واقعيّ له.
أمّا النظرة الثانية فأخذت ترى إلى الشقّ الإيجابيّ من الإنقسام، أي إلى التعدّدية المسيحيّة، كإنعاش ديموقراطيّ للوحدة الوطنيّة اللبنانيّة. فالمناطق المسيحيّة وحدها غير محسومة سلفاً على الصعيد الإنتخابيّ، وقد جاءت انتخابات 2009 لتعزّز هذا الإتجاه. كما أنّ التفاوت النوعيّ بين الإنقسام بين أحاديات في الوسط الإسلاميّ وبين الإنقسام المتعدّد الأوجه والأشكال في الوسط المسيحيّ عرقل إلى حد كبير ذهاب التوتّر المذهبيّ على الساحة الإسلاميّة إلى أقصاه، وعطّل قبل كلّ شيء التبعات السياسية لإحتكار فئة واحدة للسلاح غير الشرعيّ.
في إمتداد للنظرة الأولى، يمكن القول إنّ الإنقسام المسيحيّ في مقابل الأحاديّات الإسلاميّة يعني بالدرجة الأولى ضعفاً للمسيحيين في المعادلة اللبنانيّة العامّة، وربطاً لهم بالإنقسام المذهبيّ على الساحة الإسلامية، وبالتالي الإلغاء المتبادل من المجموعات السياسيّة المسيحيّة للقرار المسيحيّ المستقلّ، وللمناصفة الإسلامية المسيحية في صنع القرار، وفي إتخاذ القرار، في كافة الأمور الوطنية الأساسية.
وفي إمتداد للنظرة الثانية، يمكن القول إنّ التعدّدية المسيحيّة من شأنها إذا تطوّرت بالشكل السليم، أي إذا عزّزت القناعة لديها بأنّها تعدّدية ملتزمة بمشروع الدولة وبمؤسسات الدولة وبإجتناب العنف وثقافته داخل الإجتماع المسيحيّ، أن تحدث إنقلاباً إجتماعياً وثقافياً وسياسيّاً في الوسط الإسلاميّ أيضاً، بما يتعارض بشكل أساسيّ مع أكثر الأحاديّات المذهبية تبلوراً، أي الأحادية التي يقودها تنظيم "حزب الله" والذي يفرض "قانونها" بقوّة السلاح داخل بيئته وحيال المسلمين الآخرين وعلى الصعيد الوطنيّ العام.
ثمّة بلا شكّ "عمق" ما وراء كلّ من هاتين النظرتين، إنّما السؤال الجامع لهما ينبغي أن يكون: كيف يمكن إقامة الحدّ الفاصل بين الإنقسام الذي فيه الضعف وبين التعدّدية التي منها قوة؟
عند هذه العتبة اجترحت أجوبة عديدة في السنوات المنصرمة.
بعض هذه الإجابات جنحت إلى السجال لمعرفة أي من المجموعات المسيحيّة هو الأكثر إستقلاليّة في قراره المسيحيّ، ويمكن القول على هذا الصعيد أنّ الطرف الأقوى في هذا السجال هو الطرف الذي يواجه إحتكار الفئة المذهبية المسلّحة للعنف غير الشرعيّ. المسيحيّ يأتيه الخطر من الجهة التي تمتلك العنف غير الشرعيّ والخارجة عن مفهوم الدولة. هذه كانت من ثوابت الخطاب المسيحيّ منذ قرون، وعلى هذا الأساس يبني الإستقلاليّون المسيحيّون موقفهم. مع ذلك، وهنا مكمن ضعف جميع من خاض في هذا السجال، لم يتبلور وعي جماعيّ بأنّ الضعف العام للإستقلاليّة السياسيّة المسيحيّة، وأيّاً كانت نسبه المتفاوتة بين هذا الطرف أو ذاك، فإنّه ضعف يتشارك فيه الجميع، ولا يعالج فقط بـ"التحرّر الإرادويّ"، لأنّ ثمّة معوقات جدّية، وموضوعية، وهذه لم تقارب بعد بالشكل المنهجيّ الهادئ المطلوب.
كما أنّ اللاعقلانية التي طبعت خطاب المجموعة الملتحقة مسيحياً بالمنظومة الإيرانية لم تنطلق من فراغ، وإنّما انطلقت من "نواة عقلانية" راحت تستهلكها سنة بعد سنة، مساهمة في إضعاف المسيحيين أكثر فأكثر. هذه النواة العقلانية تفيد في المقام الأوّل أنّ الحرب الأهلية اللبنانية من حيث هي حرب "الكلّ ضدّ الكلّ" لا يمكن أن تنتهي فعلياً إلا بصياغة عقد إجتماعيّ جديد، عقد ينبثق على أساسه حاكمين ومحكومين، وليس العكس. هذا العقد لا يقوم بين طرف يعتبر نفسه حاكماً بالأصالة، وبين طرف يعتبر نفسه محكوماً بالأصالة، إنّما هو عقد على أساسه ينبثق الحاكم والمحكوم، وعلى أساس أيضاً يصير المحكوم حاكماً، ويعود الحاكم محكوماً.
هذه "النواة العقلانية" فطنت منذ نهاية الحرب الأهلية إلى أنّ الحرب هي فعلاً لم تتوقّف. لكنّ العماد ميشال عون الذي انطلق من هذه "النواة" راح يطوّر خطاباً لاعقلانياً إلى أقصى حدّ، وبالذات منذ عودته من منفاه والتحاقه بالمشروع الإيرانيّ. فبدل من أن يكون النضال من أجل إبرام عقد إجتماعيّ جديد هو الذي يجعل من التعدّدية المسيحية مصدراً لقوة المسيحيين ومصدراً للوحدة اللبنانية، دخل الطرف الملتحق بقوى الممانعة، ثم بشكل واضح بالممانعة الإيرانية، في وهم محاولة بناء "أحادية" في الوسط المسيحيّ على غرار الأحاديات الإسلامية، متحالفة من موقعها الأعزل مع الجماعة الفئوية المسلّحة التابعة لإيران، أي متحالفة مع ذاك المنفذ "المقاوماتيّ" الذي جعل الحرب الأهلية اللبنانية تستمرّ بشكل شبه أحاديّ، حيث انتقلنا من "حرب الكلّ ضدّ الكل" إلى "حرب الفئة ضدّ الفئات الأخرى".
وإلى يومنا هذا، لم تواجه هذه اللاعقلانية إلا بالاستيعاب حيناً (لمعرفة من هو الأكثر سوية من الناحية العصبية) والسجال التقليديّ حيناً آخر (لمعرفة من هو الأكثر استقلالية من الناحية السياسية)، في حين أن المطلوب هوإسترجاع "النواة العقلانية" لتكون هذه المرة نواة لإجماع مسيحيّ تعدّدي: الإجماع على أنّ الحرب اللبنانيّة لا يمكن أن تنتهي إلا بعقد اجتماعيّ بين اللبنانيين، ورفض الحرب الأهلية المستمرّة من جانب واحد والتي اسمها "مقاومة".
بدلاً من هذا الإجماع المسيحيّ التعدّدي ما زلنا أمام إفتراق خطير. الطرف الذي يلحظ واقعة عدم انتهاء الحرب بعقد اجتماعي جديد يستقوي من موقعه الأعزل بقوة الفريق الموالي ويتكّل على قوّته الإرادوية الكاريزمية وحاجة المشروع الإيرانيّ في لبنان إليها كسند له. فيما الطرف الذي يرفض استمرار الحرب الأهالية التدخّلية المتواصلة، بتقطع، لكن بشكل متماد، من طرف الجماعة الفئوية المسلّحة وملحقاتها، لا يمكنه، وبسبب من الإنقسام المسيحيّ، من أن يشخص إلى عمق الأزمة اللبنانية، وهي أن الحرب اللبنانية لم تنته بالإنتقال من "حرب الكلّ ضد الكلّ" إلى حيث "العقد الإجتماعيّ"، ولما كانت لم تنته كذلك فليس بالمستطاع منذ انتهائها الرسميّ وإلى اليوم أن يعترف حاكم بمحكوم، أو أن يعترف محكوم بحاكم.