الاتهامات السورية تتفاعل في لبنان أكثر من أي بلد آخر
استهداف "المستقبل" أم إحراج المراجع الرسمية؟
لا تجد الاتهامات التي تسوقها وسائل الاعلام السورية وتتبناها وسائل اعلام حليفة لها في لبنان ان تيار "المستقبل" يموّل سلفيين ضد النظام السوري اي صدى ايجابي لدى اوساط ديبلوماسية غربية واقليمية على حد سواء . اذ تتحفظ هذه الاوساط عن اعطاء هذه الاتهامات بعدا واقعيا يسمح بالاخذ بها فعلا . بل تعتقد ان الامر يرتبط في الدرجة الاولى بما قاله الرئيس السوري بشار الاسد في خطابه في 30 آذار الماضي عن وجود مؤامرة لوصف الاحتجاجات في بلاده وعن ضرورة اعطاء ما قاله مضموناً فعلياً لئلا تظهر عدم صحة اتهاماته في هذا الاطار.
اضف ان الوكالة العربية السورية للانباء "سانا" تحدثت في وقت لاحق عن دخول اسلحة من الاردن كما تحدثت عن مؤامرة سعودية ضد النظام السوري وصولا الى الكلام على تمويل تيار "المستقبل" معارضين سوريين. علما ان وكالة الانباء نفسها تحدثت ايضا عن ضبط سوريا شاحنة براداً تحمل اسلحة متنوعة الى سوريا عبر الحدود مع العراق وان سائق الشاحنة تحدث عن تلقيه مبلغ 20 الف دولار. لكن كل الاتهامات تراجعت ولم توظف عمليا في السياسة مع اي دولة باستثناء لبنان في ما تفسره هذه المصادر بانه يرتكز على وجود افرقاء يمكن ان يتلقفوا هذه الاتهامات لتوظيفها لمصلحتهم الخاصة ولمصلحة سوريا لاعتبارات متعددة . اضف الى ذلك ان الخاصرة اللبنانية هي الاكثر هشاشة وضعفا بحيث يسهل إلباسها مما لا يسهل إلباسه للدول الاخرى الجارة لسوريا . لكن حتى الاعلام الاجنبي لم يتعاط مع هذه الاتهامات السورية بجدية تستحق البحث في صحتها. وقد استندت وسائل الاعلام التي تناولت الموضوع هامشيا الى واقع حاجة كل من الانظمة العربية التي واجهت تحديات كبيرة الى اتهام جهات اما هي خصم لها او هي خصم للاسرة الدولية من اجل تحميلها مسؤولية ما، بما فيها لجوء الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي الى اتهام معارضيه بانهم ينتمون اما الى "القاعدة" او الى "حزب الله" من دون ان تجد اتهاماته اي صدى.
ولا تخفي هذه المصادر الديبلوماسية ملاحظتها ان التصريحات التي ادلى بها السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي في الايام الاخيرة والتي اثارت ردود فعل واسعة يمكن الا تحرج "تيار المستقبل" بمقدار ما تؤدي الى التفاف طائفي حوله باعتبار انه من الواضح لاي لبناني عادي وعبر نموذج اتهام نائب من التيار ان ما يتعرض له الرئيس سعد الحريري من الداخل والخارج هو تحامل مقصود وغير بريء حتى لو اضحى هذا التيار خارج الحكم يعيد الى حد بعيد تجربة والده الرئيس رفيق الحريري بعد ابعاده عن الحكم . وهذا الامر يحرج كلاً من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي الى درجة كبيرة اكثر مما يصيب تيار المستقبل حتى لو ان احد الاهداف هو وضع التيار في موقع الدفاع بدلا من موقع الهجوم الذي اعتمده منذ خروج الرئيس الحريري من رئاسة الحكومة في اتجاه سلاح " حزب الله" وصولا الى ايران. اذ ان هناك قواعد قانونية لا يمكن اياً من الرئيسين سليمان او ميقاتي تجاوزها ما لم تصح الاتهامات ولو تحت طائل ما فهم من الكلام الذي قاله السفير السوري " ان ما سيصيب سوريا سيصيب لبنان ".
فالسلطة اللبنانية على المحك في هذا الاطار وليس واضحا بالنسبة الى هذه المصادر كيف يمكن دعم موقف الرئيس ميقاتي امام طائفته وفي وجه الدعم الكبير لابناء هذه الطائفة للرئيس الحريري في ظل محاولات زجها في اتهامات، علما ان الهدف قد يتعدى حماية موقع ميقاتي. لكن حتى الاهداف غير المعلنة والتي يعتقد كثر انها اهداف مضمرة لهذه الحملات تشكل خطرا على مواقع المراجع المعنية ، وهو على الاقل ما فهمته هذه المصادر في كلام الرئيس المكلف ودعوته "الى عدم الانجرار الى انفعالات نتائجها وخيمة" متمنيا "ان يلاقي المسؤولون السوريون هذه المواقف اللبنانية المعلنة بالايجابية نفسها ".
وما يزيد الاحراج بالنسبة الى سليمان وميقاتي بحسب هذه المصادر انه سبق للدولة اللبنانية ان تعرضت لتجربتين في هذا الصدد، الأولى كانت اتهام مصر لـ"حزب الله" بمسؤوليته عن محاولة زعزعة امنها وتعريض استقرارها للخطر مما ادى الى سجن اشخاص في القاهرة اعتبروا عاملين على خط الحزب واطلقوا في زمن الثورة على الرئيس السابق حسني مبارك . والثانية كانت اتهام دولة البحرين اخيرا الحزب نفسه بالعمل على زعزعة استقرار المملكة وقد استند مسؤولوها الى ما ادلى به الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله باعلانه تشجيع المعارضة البحرينية والاستعداد للمساعدة. ولم تتخذ السلطات اللبنانية اي موقف من الحزب في الحالين على رغم انه عرّض علاقات لبنان مع الخارج للخطر. والمواقف المسؤولة لسليمان وميقاتي باعتباره رئيسا للحكومة العتيدة يعوّل عليها من جانب هذه المصادر من اجل عدم ترك الامور تنزلق وفق المواقف السياسية والاتهامات التي تساق الى ما قد يعرض الوضع اللبناني للخطر.